هل احتفظت نواة الأرض نفسها بكميات هائلة من الماء مخبأة في أعماقها على هيئة هيدروجين مرتبط بمواد معدنية؟ سؤال قديم يعود للواجهة بقوة بعد دراسة علمية حديثة تنشر في مجلة “نيتشر كوميونيكيشنز” (Nature Communications) يوم 10 فبراير/شباط 2026. تشير هذه الدراسة إلى أن قلب الأرض قد يحتوي على ما يعادل بين تسعة وخمسة وأربعين ضعفا كمية المياه الموجودة في محيطات الأرض الحالية، مما قد يغير فهمنا لأصل مياه الكوكب ويؤثر على تقييمنا لإمكانية وجود الماء على كواكب أخرى.

تشير هذه النتائج إلى أن الأرض قد لم تكن جافة كما كان يعتقد سابقًا، بل احتفظت بكميات معتبرة من الهيدروجين منذ مراحل تشكلها الأولى. يعتقد الباحثون أن جزءًا كبيرًا من مياه الأرض جاء مع مواد تكوين الكوكب نفسه، وليس نتيجة اصطدامات متأخرة مع المذنبات، كما تفترض بعض النظريات.

مياه أعمق من المحيطات

يمثل قياس الهيدروجين في أعماق الأرض تحديًا كبيرًا نظرًا للضغوط الهائلة ودرجات الحرارة المرتفعة التي تصل إلى آلاف الدرجات المئوية. استخدم فريق البحث تقنيات مخبرية متقدمة لمحاكاة الظروف التي سادت أثناء تشكل نواة الأرض، باستخدام ما يعرف بخلايا السندان الماسي.

في هذه التجارب، تم تسخين مواد معدنية إلى درجات حرارة وظروف ضغط تحاكي نواة الأرض. استخدم الباحثون بعد ذلك تقنيات تحليل ذري دقيقة لرصد توزيع العناصر، وتمكنوا من رصد الهيدروجين مباشرة داخل سبائك الحديد الغنية بالأكسجين والسيليكون، والتي يعتقد أنها مكونات رئيسية لنواة الأرض.

تُظهر النتائج أن نسبة صغيرة من الهيدروجين داخل النواة يمكن أن تعادل كميات ضخمة من المياه على مستوى الكوكب كله. إذا تأكدت هذه الكميات، فإنها تفوق بشكل كبير المياه الموجودة على سطح الأرض.

إعادة رسم قصة المياه

تفتح هذه النتائج بابًا جديدًا لفهم تاريخ الأرض المائي، حيث تشير البيانات إلى أن الأرض ربما احتفظت بكميات معتبرة من الهيدروجين منذ بدايتها. يتوافق هذا مع اتجاه علمي حديث يرى أن الماء عنصر أساسي في تشكل الكواكب الصخرية.

لا تقتصر أهمية هذه النتائج على فهم ماضي الأرض، بل تمتد إلى علوم الكواكب بشكل أوسع. إذا كان تخزين الهيدروجين داخل النواة ممكنًا على نطاق واسع، فقد يعني ذلك أن بعض الكواكب الصخرية الأخرى تحتوي أيضًا على احتياطيات مائية عميقة حتى لو بدت جافة على سطحها.

لذلك، قد نحتاج إلى إعادة تقييم فكرة الكواكب الجافة، لأن جزءًا من المياه قد يكون مخبأ في أعماقها. هذا الاحتمال مهم بشكل خاص في سياق البحث عن كواكب قابلة للحياة خارج النظام الشمسي، حيث يعد وجود الماء أحد أهم الشروط الأساسية للحياة.

دورة مياه داخلية للكوكب

تقترح الدراسة أن المياه المخزنة في النواة ليست مجرد مخزون ساكن، بل قد تلعب دورًا في العمليات الجيولوجية العميقة. مع تبريد نواة الأرض تدريجيًا، قد يتحرر الهيدروجين إلى طبقات أعلى، مما قد يؤثر في حركة الصخور داخل الوشاح أو في طبيعة النشاط البركاني.

يمكن أن يكون لهذا المخزون المائي تأثير غير مباشر في المجال المغناطيسي للأرض، الذي يحمي الكوكب من الإشعاع الكوني، عبر تأثيره في حركة المواد داخل النواة. إن فهم كمية الهيدروجين في النواة لا يساعد فقط في تفسير أصل المياه، بل أيضًا في فهم تطور الأرض الداخلي وديناميكيتها على المدى الطويل.

ورغم أهمية هذه النتائج، يشدد الباحثون على أن تقدير كمية الهيدروجين في نواة الأرض لا يزال يكتنفه قدر من عدم اليقين. تعتمد القياسات على تجارب مخبرية ومحاكاة لظروف معقدة، وقد تتغير النتائج مع توفر بيانات أو تقنيات أدق في المستقبل. ومع ذلك، تعد الدراسة خطوة مهمة في محاولة فهم تركيب الأرض العميق وتقدم دليلاً تجريبيًا مباشرًا على إمكانية وجود كميات كبيرة من الهيدروجين في النواة.

شاركها.
Exit mobile version