الغواصات النووية السوفيتية المفقودة: قنابل إشعاعية موقوتة في قاع البحار

تُعدّ حطام الغواصات النووية السوفيتية المدفونة في قاع بحر النرويج وبحر كارا إرثًا خطيرًا للحرب الباردة، فهي قنابل إشعاعية موقوتة، بدأت تظهر عليها علامات الانهيار الهيكلي بعد عقود من النسيان. مع حلول عام 2040، يُتوقع أن تبدأ هياكل هذه الغواصات في التحطم، مطلقةً مواد مشعة في البيئة البحرية، مما يثير مخاوف بيئية واقتصادية جسيمة.

لعقود من الزمن، سادت عقيدة رسمية مفادها أن البرد والضغط في قاع البحر، على عمق يصل إلى 1600 متر، سيُجمّدان أي خطر إشعاعي. وكان يُنظر إلى غرق الغواصة “كيه-278 كومسوموليتس” عام 1989 كمثال على هذه الافتراضات، حيث افترضت الجهات المعنية أن الحطام سيظل آمنًا في أعماق المحيط. ومع ذلك، تشير الاكتشافات الحديثة إلى أن هذا التفاؤل كان في غير محله.

مستويات إشعاعية مقلقة و”المقياس الخفي”

أظهرت قياسات أجريت بالقرب من حطام الغواصة “كيه-278 كومسوموليتس” أن مستويات السيزيوم-137 تتجاوز المعدلات الطبيعية بـ 800 ألف مرة. هذه الأرقام لا تتعلق بالتوقعات النظرية، بل بالواقع الملموس. ويُحذر الخبراء من أن الإشعاع ليس محصورًا في قاع البحر؛ بل ينتقل عبر “المقياس الخفي”. فالعوالق النباتية تمتص الجسيمات المشعة، وتتغذى الأسماك الصغيرة عليها، مما يؤدي إلى تركيز المواد المشعة. وتصل هذه المواد في النهاية إلى الأسماك الكبيرة، مثل سمك القد والتونة، التي قد تصل إلى موائد المستهلكين وهي تحمل مستويات إشعاعية تفوق آلاف المرات مستويات المياه المحيطة بها.

جرد “خفي” وانهيار الاتحاد السوفيتي

تفاقمت هذه المشكلة بسبب الظروف الاقتصادية التي تلت انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. فمع نقص التمويل المخصص للتفكيك الآمن للمنشآت النووية، تحول القطب الشمالي إلى مكان لوضع النفايات المشعة بشكل غير تقليدي، مع تجنب التكاليف المباشرة للتخلص الآمن. تشمل هذه الممارسات المروعة إلقاء أكثر من 17,000 حاوية من النفايات المشعة في البحر، وإغراق 19 سفينة تحمل مواد نووية، وإلقاء 14 مفاعلًا نوويًا في المحيط. هذه التصرفات تمثل نقلًا للمخاطر عبر الأجيال، حيث تم تأجيل المشكلة بدلًا من معالجتها بشكل جذري.

تشير التوقعات العلمية إلى أن الفترة ما بين عامي 2040 و 2060 ستشهد تحولًا نوويًا في هذه الحطام. ففي غضون أقل من عقدين، ستصل هياكل السفن التي غرقت في الستينيات إلى حالة من الانهيار الهيكلي الحرج. وعندما تتحطم هذه الهياكل، سيتم إطلاق كميات كبيرة من المواد المشعة والسامة في البيئة البحرية، مما يعيد المشكلة إلى الواجهة.

التداعيات الاقتصادية.. الصيد والأسواق

تمتد المخاوف إلى ما هو أبعد من البيئة لتشمل الاقتصاد. فقطاع صيد الأسماك في شمال المحيط الأطلسي يمثل قيمة اقتصادية ضخمة، تقدر بمليارات اليورو، وينقل ملايين الأطنان من الأسماك سنويًا. إذا بدأت التساؤلات حول سلامة الأسماك المشعة تنتشر، أو إذا أدى التلوث الإشعاعي إلى نفوق جماعي للأسماك، فإن قطاع صيد الأسماك بأكمله قد ينهار بسرعة. إن التأثيرات المحتملة على الأسواق العالمية والمحلية قد تكون مدمرة.

تُقدّر التكلفة الأولية لانتشال ست سفن من بين الأكثر خطورة بأكثر من 300 مليون دولار. ومع ذلك، يبدو أن هناك ترددًا في تحمل هذه التكاليف، حيث تفضل بعض الدول استراتيجية “عدم التأكيد أو النفي” بدلًا من اتخاذ إجراءات فورية. في الوقت نفسه، تستمر التحديات البيئية في التزايد؛ حيث يتراجع جليد القطب الشمالي وتتغير التيارات البحرية، مما يجعل الرواسب القديمة التي تغطي الحطام أكثر هشاشة وعرضة للانجراف.

ما التالي؟

مع اقتراب نافذة التحول النووي في الفترة ما بين 2040 و 2060، يصبح السؤال عن الخطوات التالية أكثر إلحاحًا. ستتطلب معالجة هذا الإرث الإشعاعي استثمارات ضخمة وتعاونًا دوليًا. تبقى التحديات كبيرة، وتتضمن تحديد نطاق التلوث الكامل، وتقييم المخاطر طويلة الأجل، وتطوير تقنيات فعالة وآمنة للتعامل مع هذا الإرث الخطير. إن مدى استعداد المجتمع الدولي لمواجهة هذه القنابل الموقوتة سيحدد مستقبل البيئة البحرية والصحة العامة لعقود قادمة.

شاركها.
Exit mobile version