تحديد “النقاط الساخنة” للعقارب السامة: ابتكار علمي يفتح آفاقاً جديدة في الوقاية من اللدغات

الرباط، المغرب – 18 فبراير 2026 – أعلن فريق دولي من الباحثين اليوم عن تطوير منهجية علمية مبتكرة تسمح بتحديد دقيق للمواقع الجغرافية التي يُحتمل أن تنتشر فيها أنواع العقارب الأكثر سمية في العالم. تهدف هذه التقنية، التي تعتمد على مزيج من الملاحظات الميدانية الممتدة والنمذجة الحاسوبية المتقدمة، إلى توقع مناطق الخطر المحتملة قبل وقوع لدغات العقارب بكثافة، لا سيما في المناطق المدارية وشبه المدارية، مما يمهد الطريق لجهود وقائية أكثر فعالية.

واستندت الدراسة، التي نشرت نتائجها في دورية Environmental Research Communications، إلى ملاحظات ميدانية جرت على مدى فترة طويلة في قارة أفريقيا، مع تركيز خاص على منطقة وسط المغرب، التي تُعد من أبرز بؤر لسعات العقارب عالمياً. من خلال دمج هذه البيانات الميدانية مع نماذج حاسوبية تتنبأ بوجود الأنواع الخطرة والعوامل البيئية التي تشجعها على الاستقرار، تمكن العلماء من فهم أن توزيع العقارب ليس عشوائياً، بل تخضع لشروط بيئية محددة يمكن رصدها وقياسها.

بيئات خاصة للغاية

كشفت التحليلات عن نمط واضح؛ حيث برز نوع التربة كعامل مؤثر بشكل كبير في تحديد أماكن تواجد غالبية أنواع العقارب. وفي المقابل، لعبت العوامل المتعلقة بالحرارة، سواء متوسط درجات الحرارة أو نطاق تقلباتها بين الفصول، دوراً حاسماً في تحديد توزيع بعض الأنواع شديدة السمية.

تؤكد الدراسة، التي جاءت كثمرة تعاون بين جامعة غالواي في أيرلندا وجامعة ابن زهر في المغرب، أن العقارب تنمو وتزدهر في بيئات تتطلب شروطاً بيئية دقيقة. وهذا يعني أن مناطق الخطر تكون عادةً محلية ومركزة، مما يشكل معلومة قيمة للتخطيط الصحي، حيث قد يكون التركيز العالي للخطر في مساحات صغيرة بدلاً من انتشاره بشكل متساوٍ.

وتلقي هذه المنهجية الضوء على أهمية البحث العلمي في تعزيز الصحة العامة. فمن خلال تحديد المواقع المحتملة لانتشار العقارب الأكثر خطورة، يمكن للجهات الصحية توجيه حملات التوعية بشكل أكثر دقة، وتدريب الكوادر الطبية في المناطق الأكثر عرضة للخطر، وتعزيز الإجراءات الوقائية على مستوى المجتمعات، لا سيما لحماية الأطفال الذين يعتبرون الفئة الأكثر ضعفاً أمام لدغات العقارب السامة.

أزمة صحة عامة صامتة تحت المجهر

تبرز الدراسة خطورة لدغات العقارب كأزمة صحة عامة عالمية صامتة، حيث يتعرض أكثر من مليوني شخص للسعات العقارب سنوياً. بينما تسبب معظم اللدغات ألماً وتورماً، يمكن لبعض الأنواع أن تؤدي إلى مرض شديد ووفاة، وتقدر الوفيات بين الأطفال عالمياً بأكثر من 3000 حالة سنوياً.

على الرغم من وجود أمصال مضادة لعدد من أنواع العقارب، إلا أن التحدي المستمر يكمن في صعوبة تحديد النوع المسؤول عن اللدغة بسرعة، مما يعيق اتخاذ القرار العلاجي الأمثل في الوقت المناسب. وللتغلب على هذه العقبة، استخدم الباحثون أداة نمذجة تعرف باسم “الحد الأقصى للإنتروبيا” (MaxEnt) لإنشاء خرائط احتمالات التواجد، استناداً إلى بيانات عالمية متاحة عن التربة ودرجات الحرارة وعوامل الموطن.

تتميز هذه المنهجية بأنها لا تقتصر على منطقة المغرب فقط، نظراً لاعتمادها على بيانات بيئية ذات نطاق عالمي. هذا يفتح الباب أمام تطبيقها في مناطق أخرى تشهد ندرة في السجلات التفصيلية لأنواع العقارب، مما يساعد في اكتشاف “بؤر خطر محتملة” في أجزاء متنوعة من المناطق المدارية حول العالم، بما في ذلك أمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، وشبه القارة الهندية. وبالتالي، يمكن ترجمة هذه المعرفة البيئية إلى سياسات صحية قابلة للتطبيق تقلل من العبء البشري الناجم عن لدغات العقارب.

ماذا بعد؟

يتطلع الباحثون إلى توسيع نطاق تطبيق النموذج ليشمل تسجيلات ميدانية إضافية في مناطق جغرافية مختلفة، بهدف زيادة دقة التنبؤات. كما يهدفون إلى استكشاف العلاقة بين التغيرات المناخية وتأثيرها المحتمل على توزيع أنواع العقارب السامة. لا تزال هناك حاجة لمزيد من الدراسات لتقييم فعالية هذه الأدوات في تشكيل السياسات الصحية على المدى الطويل، وتحديد التحديات التشغيلية والفنية لتطبيقها على نطاق واسع في المناطق الأكثر احتياجاً.

شاركها.
Exit mobile version