تشهد العاصمة السورية بحلتها الجديدة زخمًا دبلوماسيًا، تترجمه الزيارات المتوالية من الوفود العربية والإقليمية والدولية بعضها كان محكومًا بالقطيعة والتصادم من قبل، وكلها الآن تصافح قيادة دمشق الجديدة.
وتسعى هذه الوفود إلى طي صفحة النظام السابق وفتح جسور علاقات جديدة، في إطار ترميم آفاق التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، وحتى تلك الدول التي اتخذت موقفًا متشككًا من القادة الجدد في سوريا كالقاهرة بدأت نبرتُها تتغير وتتواصل مع الإدارة الجديدة في سوريا.
تغير المزاج الدولي
فوزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني يقول إنه تلقى اتصالًا هاتفيًا من نظيره المصري بدر عبد العاطي أكد له “أهمية دور البلدين في تحقيق الاستقرار والازدهار للمنطقة، وأن مصر وسوريا يجمعهما تاريخ واحد ومستقبل واعد”.
في الأثناء ومع بداية العام الجديد، بدأ المزاج الدولي وخاصة الغربي يتغير تجاه ما يحدث في سوريا، فالسفارة الأميركية في دمشق أصدرت بيانًا قالت فيه: إن “الولايات المتحدة تقف مع الشعب السوري في مساعيه نحو مستقبل أكثر إشراقًا”، مضيفة أن واشنطن ملتزمة بالعمل مع السوريين لمساعدتهم.
أمّا في إيران، فقد أطلق المرشد الأعلى علي خامنئي تهديدات جديدة للقيادة السورية الجديدة، حين قال إن “سوريا تتعرض للاحتلال الأجنبي”، ومتوعدًا الحكومة الجديدة، دون تسميتها، “بعدم البقاء هناك.. لأنهم اعتدوا على الأرض السورية”، حسب وصفه.
“خسارة مهمة لمحور المقاومة”
وبشأن الرسائل التي تسعى إيران إلى إيصالها بعد خسارتها موقعًا استراتيجيًا إثر سقوط نظام الأسد، يرى الدبلوماسي الإيراني السابق محمد مهدي شريعتمدار أن إيران ومحور المقاومة تكبدا “خسارة مهمة” بخروج سوريا من هذا المحور، وليس نتيجة سقوط نظام بشار الأسد.
وفي حديثه إلى التلفزيون العربي من طهران، يقول شريعتمدار: “إيران لم تكن إلى جانب سوريا بسبب هذا النظام أو ذاك، وإنما لأنها كانت همزة وصل بين مختلف فصائل محور المقاومة”.
ويشير إلى أنه لا توجد أي تهديدات من قبل النظام الإيراني تجاه السلطة السورية الجديدة، معتبرًا أن تصريحات المرشد الأعلى الإيراني وما نُقل عنه “مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي”.
ويوضح أن تصريحات خامنئي تستند إلى “معادلة بسيطة” تم الإشارة إليها عدة مرات، ومفادها أنه “كلما كان هناك احتلال وعدوان وجرائم، فلا بد أن تكون هناك مقاومة”.
ويضيف الدبلوماسي الإيراني السابق أن بلاده تتقبل “الواقع الجديد” في سوريا، وتطمح إلى أن “يكون للشعب السوري حكومة قوية، مقتدرة وموحدة، تقف في وجه الاحتلال الإسرائيلي”. كما أشار إلى أن إسرائيل “لا تريد أن يكون هناك جيش قوي في المنطقة”.
“استكشاف ما يجري في سوريا”
من ناحية أخرى، يرى الكاتب السياسي يعرب العيسى أن فترات الاستقرار والازدهار التي عاشتها سوريا بعد الاستقلال في منتصف الأربعينيات كانت مرتبطة بشكل وثيق بمحيطها العربي، وذلك بحكم موقعها وثقافتها العربية.
وفي حديثه إلى التلفزيون العربي من دمشق، يوضح أن زيارات الوفود العربية، حتى من الدول الأقل حماسًا مثل مصر والمغرب، للحكم الجديد في دمشق تهدف إلى “معرفة طبيعة ما يدور في عقل هؤلاء، وماذا ينتظر سوريا، وحجم الفراغ الكبير الموجود”.
ويشير إلى اعتقاده بأن كل دولة في الإقليم تسعى إلى “خلق موطئ قدم لها في سوريا الجديدة”، وتحاول جذب دمشق للعودة إلى دورها كعضو في أسرة إقليمية كبيرة، وفق رأيه.
ويضيف العيسى أن هناك مصالح مشتركة، وعلاقات تاريخية، ومشتركات ثقافية تجمع بين الدول العربية. كما بيّن أن دولًا غربية تعمل أيضًا على “استكشاف ما يجري في سوريا” بعد سقوط نظام الأسد.
دعم حقوق الأقليات والتحول إلى الديمقراطية
وبشأن بيان السفارة الأميركية ودعم واشنطن للشعب السوري، تقول الدبلوماسية الأميركية السابقة، سيسيل شي، إن “البيان صدر بعد زيارة مسؤولين أميركيين إلى سوريا، وهو أمر لم يحدث منذ سنوات طويلة”.
وترى، في حديثها إلى التلفزيون العربي من شيكاغو، أن دلالات هذه الزيارة تكمن في رغبة الولايات المتحدة في رؤية “مجتمع حر يدعم حقوق الأقليات المختلفة في سوريا، والتحول إلى الديمقراطية”.
ورغم ذلك، تعتبر شي أن هناك مخاوف بشأن العملية الانتقالية في سوريا، مشيرة إلى وجود قلق لدى الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية بشأن “الفراغ” الذي قد ينشأ، حيث إن “الشعب السوري عانى كثيرًا طوال السنوات الخمس عشرة الماضية”.
كما توضح أن هناك مخاوف أميركية وغربية من احتمال ظهور نفوذ جديد لإيران وروسيا أو لتنظيم “الدولة” بعد سقوط نظام الأسد، مع التأكيد على أهمية ألا يشكل هؤلاء أي تهديد للدول المحيطة بسوريا أو للإقليم بشكل عام.

