“طاقم التدمير”: حنين إلى أفلام الأكشن الثنائية وتحديات المنصات الرقمية
في ظل تسابق منصات البث لتقديم محتوى يجذب أكبر شريحة من الجمهور، حقق فيلم “طاقم التدمير” (The Wrecking Crew) نجاحًا لافتًا وتصدر قوائم المشاهدة على منصة “أمازون برايم فيديو” منذ طرحه مؤخرًا. الفيلم، الذي يجمع لأول مرة بين النجمين جيسون موموا وديف باوتيستا، ينتمي إلى نوعية أفلام الأكشن والكوميديا، ويراهن بشكل أساسي على الكيمياء بين بطليه.
الحنين إلى زمن أفلام الأكشن الثنائية
يندرج فيلم “طاقم التدمير” ضمن الأفلام التي تعرف بـ “Buddy Action” أو أفلام الأكشن الثنائية. هذا النوع السينمائي، الذي ازدهر بقوة في الثمانينيات والتسعينيات، يعتمد على ثنائية شخصيتين متضادتين تُجبران على التعاون، وغالبًا ما تنشأ بينهما صراعات شخصية أو أخلاقية. أعمال مثل “السلاح القاتل” (Lethal Weapon) و”باد بويز” (Bad Boys) تعد من أبرز الأمثلة على هذا النوع، حيث تشكل العلاقة المتطورة بين الشخصيتين المحرك الدرامي والكوميدي الأساسي للفيلم، بما لا يقل أهمية عن مشاهد الحركة نفسها.
يقدم “طاقم التدمير” قصة أخوين غير شقيقين، دفعهما مقتل والدهما الغامض إلى التعاون رغم اختلاف طباعهما. يجسد جيسون موموا دور جوني هالي المندفع و المتهور، بينما يلعب ديف باوتيستا دور جيمس، الأخ الأكبر الأكثر صرامة وانضباطًا. تعكس هذه الثنائية معادلة التضاد التقليدية لهذا النوع، بينما تتكشف مؤامرات وأسرار تدفع بالعلاقة المتوترة بين الأخوين إلى قلب السرد.
لا يكمن سر نجاح “طاقم التدمير” في حبكة معقدة، بل في استثمار الكيمياء الجذابة بين موموا وباوتيستا. يستغل الفيلم التباين بين الشخصيتين والشعبية الواسعة للممثلين لخلق حالة من “التوتر المرح” الذي يميز أفلام الأكشن الثنائية. يتحول هذا التفاعل المستمر إلى بديل عن سيناريو محكم، حيث يصبح الود المتبادل والمزاح الخشن بين الأخوين أهم من تطور الأحداث. هذا النموذج، الذي يعتمد على نجومية الأبطال لضمان المتعة ورفع نسب المشاهدة، بات شائعًا في سينما المنصات الرقمية.
يستدعي الفيلم بوعي روح أفلام الأكشن الثنائية الكلاسيكية، سواء في بناء الشخصيات أو الديناميكية بينهم. يعتمد على معادلة مألوفة: ثنائي متضاد، حوارات ساخرة، وتصاعد درامي من الصدام إلى التقارب. ومع ذلك، يتأرجح هذا الاستدعاء بين الحنين الواعي الذي يستثمر ذاكرة المشاهد، وبين التكرار غير المبتكر الذي يعيد إنتاج القوالب الجاهزة.
الأكشن الرقمي وحدود الشاشة الصغيرة
يتميز “طاقم التدمير” بمشاهد أكشن مصقولة تنفذ بكفاءة، وترتكز على الاشتباكات الجسدية والمطاردات التي تتناسب مع مقومات بطليها. لكن الفيلم يلتزم بقواعد النوع بشكل شبه كامل، دون محاولة لكسر سقف توقعات المشاهد. هذا الالتزام يمنح الجمهور الباحث عن الترفيه المباشر تجربة سلسة، لكنه يطرح تساؤلات حول غياب الابتكار وتحول الأكشن إلى عنصر استهلاكي.
بينما ينجح الفيلم في الحفاظ على إيقاعه، فإن اعتماده على صيغ مجربة يجعله أقرب إلى إعادة إنتاج آمنة لنماذج سابقة، وهو ما قد يعكس اكتفاء السينما التجارية بالحد الأدنى طالما أن المتعة مضمونة. بالإضافة إلى ذلك، يعاني الفيلم من بعض العيوب في مستوى المؤثرات البصرية (CGI)، خصوصًا في مشاهد المطاردات التي تبدو أقل إقناعًا من حيث الجودة والدمج البصري.
ترجع هذه العيوب بشكل كبير إلى كون الفيلم مصممًا للعرض على الشاشات الصغيرة، سواء تلفزيون أو هاتف محمول، ضمن منظومة المنصات الرقمية. فالشاشات الكبيرة للسينما تكشف التفاصيل التقنية وتفرض معايير أعلى للواقعية البصرية. يظهر هذا الخلل بوضوح في مشاهد مطاردة الهليكوبتر، حيث يصبح التباين بين واقعية الشخصيات في مقدمة المشهد والعناصر الرقمية في الخلفية ملحوظًا.
هذا الاستسهال لا يقتصر على فيلم بعينه، بل يعكس إشكالية أوسع في مسار الصناعة السينمائية بعصر المنصات. بات مقبولًا – بل مفضلاً أحيانًا – إنتاج أفلام صالحة للمشاهدة لا أكثر، مصممة لتُستهلك وتُنسى بسرعة. هذا التوجه يكرس منطق المستوى المتوسط، الذي لا يتطلب تركيزًا عاليًا، وينعكس سلبًا على جودة الصورة والمؤثرات، بل وعلى جميع العناصر الفنية للفيلم.
تتضح هذه الإشكالية في تصريحات مثل تلك التي أدلى بها مات ديمون حول تأثير نتفلكس على الكتابة، حيث أشار إلى طلب المنصة بشرح الحبكة مرارًا لتجنب تشتت المشاهد. هذا المنطق لا يفترض متلقيًا منخرطًا، بل متفرجًا مشتتًا تُصاغ الأفلام لتناسب هذا التشتت.
مع مرور الوقت، لا يقتصر الأمر على هبوط مستوى الأفلام إلى سقف التوقعات المنخفض، بل قد يهبط معه المتلقي نفسه، في دائرة تكرس الرداءة كمعيار، وتحول السينما إلى مجرد محتوى يملأ الفراغ.
“طاقم التدمير” يقدم نموذجًا لسينما المنصات المعاصرة: فيلم مسلٍ وسهل الاستهلاك، يفي بوعده الترفيهي دون مخاطرة. بين حنينه إلى كلاسيكيات الأكشن الثنائية واعتماده على صيغ مألوفة، يظل العمل تجربة عابرة أكثر منها مؤثرة.
ما التالي؟
يبقى السؤال حول ما إذا كانت منصات البث ستستمر في هذا التوجه نحو إنتاج محتوى يرضي الحد الأدنى من التوقعات، أم ستعود للتركيز على تقديم أعمال فنية مبتكرة. مستقبل هذه الصناعة قد يتحدد في قدرتها على الموازنة بين سهولة الاستهلاك والاستثمار في الجودة الفنية.

