يهدد الذكاء الاصطناعي، الذي تحول ببراعة فائقة من أداة مساعدة إلى مبدع مستقل، أسس القيم التي رسخها المبدعون عبر الأجيال. لم يعد الأمر مجرد كتابة مقالات، بل تجاوز ذلك ليصبح روائيًا وفنانًا تشكيليًا، ما يثير تساؤلات مقلقة حول مستقبل الإبداع البشري.
أثارت قضايا تقديم أعمال مولدة بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي في مسابقات أدبية، بل واقترابها من الفوز، قلقًا عميقًا في الوسط الثقافي. إن قدرة الآلة على محاكاة الخيال البشري وصياغته في قوالب فنية مقلقة، خاصة وأنها تحول ما كان يُعد سمة إنسانية فريدة إلى منتج قابل للبرمجة على نطاق واسع.
تحديات الذكاء الاصطناعي في الأدب
لم يعد هذا التغير مجرد تقدم تكنولوجي، بل يمثل قطيعة معرفية وثقافية. فالمبدع، بصمته الفريدة، أصبح قابلاً للاستبدال، حيث أصبحت اللغة الجميلة والقصص متاحة بضغطة زر. يهدد هذا الواقع بفقدان الأدب معناه كبصمة بشرية أصيلة.
في عام 2016، تقدمت جامعة “هاكوداتا المستقبل” في اليابان بمشروع رواية شبه مكتوبة بالذكاء الاصطناعي، بعنوان “اليوم الذي يكتب فيه الحاسوب رواية”، لمسابقة “هوشي شينيتشي الأدبية”. تقدم فريق البحث بالخطوط العريضة للشخصيات، بينما تولى النظام الذكي صياغة النص النهائي.
لقد تجاوزت الرواية المرحلة الأولى من الفحص، ما عكس قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على محاكاة السرد بشكل مقبول، حتى لو لم تفز بالجائزة.
الكتب الوهمية في العراق
في نهاية عام 2025، اندلعت أزمة ثقافية في العراق بعد شكوك أثارها الكاتب صادق الطائي حول عدد من الكتب الصادرة عن دار “ألكا” للنشر، مشيرًا إلى أن مؤلفيها غير موجودين في السجلات العلمية والأدبية.
أثارت هذه القضية جدلاً واسعًا، حيث اعتبرها الكثيرون تضليلًا ثقافيًا أو تزويرًا معرفيًا، خاصة مع وجود مؤشرات على أن النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي تتميز بلغة عامة، وأسلوب إنشائي، وغياب المراجع الأكاديمية.
كذلك، تبين أن أرقام الرقم الدولي المعياري للكتاب (ISBN) المثبتة على بعض الكتب غير مسجلة دولياً، وبعضها مستخدم على أكثر من عنوان، ما يخالف المعايير المهنية للنشر.
ردت دار “ألكا” بنفي هذه الاتهامات، مؤكدة صحة أرقام ISBN ومراجعة الأعمال، لكن الجمعية العراقية للناشرين والكتبيين سحبت عضوية الدار ومنعتها من النشاط لثلاث سنوات، ما يعكس حجم الأزمة.
الرعب الثقافي
يعكس ما حدث مخاوف ثقافية عميقة حول معنى النص المنفصل عن التجربة الإنسانية. فالكتابة، تاريخيًا، ارتبطت بالوعي، والذاكرة، والصدمة، والتناقض، وهي عناصر يفتقر إليها الذكاء الاصطناعي.
إن إنتاج الذكاء الاصطناعي لنصوص خالية من السيرة الذاتية والمعاناة الإنسانية يثير تساؤلات حول القيمة الجوهرية للأدب. إذا أصبح سرد القصص مجرد محتوى، منفصلًا عن الحالة الإنسانية، فإن ذلك يغير مكانة الأدب بشكل جذري.
لا يزال مستقبل الأدب والنشر في ظل الذكاء الاصطناعي غير مؤكد. فبينما تظهر قدرات الآلة على محاكاة الإبداع، تبقى الاختيارات البشرية هي التي ستحدد مسار هذا التطور.
ستستمر المجتمعات الثقافية في مراقبة كيفية تفاعل الأنظمة الأدبية مع هذه التكنولوجيا الجديدة، وما إذا كان الأدب سيصمد ككيان أصيل، أم سيتحول إلى مجرد واجهة لغوية.

