معرض دمشق الدولي للكتاب 2026: “تاريخ نكتبه.. تاريخ نقرؤه” يوثق عودة سوريا إلى المشهد الثقافي العربي
أسدل معرض دمشق الدولي للكتاب، في نسخته الاستثنائية الأولى بعد “التحرير”، الستار على فعالياته امتدت 11 يوماً، رافعاً شعار “تاريخ نكتبه.. تاريخ نقرؤه”. وقد أكد هذا الشعار على الرابط العميق بين سوريا الجديدة وتاريخها الحضاري العريق، وسعيها لصياغة علاقة تكامل وشراكة حقيقية بين المؤسسات الرسمية والثقافة، بعيداً عن أي قيود أو حجب.
شهدت الدورة الحالية مشاركة واسعة وغير مسبوقة لمختلف الوزارات والمؤسسات الحكومية والجمعيات الحرفية والفرق التطوعية، مما أتاح للزوار فرصة استكشاف تجارب متنوعة تجمع بين المعرفة والثقافة والخبرة العملية. هذه الدورة من معرض دمشق الدولي للكتاب 2026، تعكس إرادة سورية نحو استعادة مكانتها الثقافية.
مشاركة واسعة: انطلاقة نحو شراكة ثقافية
أكد مجاهد الحريري، معاون المنسق العام لمعرض دمشق الدولي للكتاب، أن المعرض يشهد تنوعاً غير مسبوق في المشاركات، لأول مرة في تاريخه. تضم الدورة جامعات خاصة وحكومية، ووزارات، وفرقاً تطوعية، بالإضافة إلى أقسام مخصصة لمختلف فئات المجتمع السوري. واعتبر الحريري هذه المشاركة الواسعة دليلاً على انفتاح الدولة على كافة مكونات المجتمع.
وأضاف الحريري في تصريحه لـ “الجزيرة نت” أن شعار الدورة “تاريخ نكتبه.. تاريخ نقرؤه” له دلالة ثقافية عميقة، تربط الدور التاريخي لسوريا بوصفها موطن الأبجدية الأولى وأرض المطبوعات، ومهد أقدم المكتبات. يأتي هذا في سياق الجهود الرامية إلى استعادة المكانة الثقافية للبلاد على الساحة العالمية، مما يمثل بداية جديدة لمعرض دمشق الدولي للكتاب.
مؤسسات الدولة في خدمة الوعي: جناحات عسكرية وثقافية
تميّز معرض دمشق الدولي للكتاب 2026 بحضور لافت لعدد من الوزارات والهيئات والمؤسسات الرسمية. شاركت وزارات الدفاع، والأوقاف، والسياحة، والإعلام، والشباب والرياضة، بالإضافة إلى هيئات مثل هيئة الشؤون السياسية وهيئة الرقابة والتفتيش. كما حضرت مديريات ثقافة محلية، ومؤسسات ثقافية متخصصة كالمكتبة الوطنية، مما عكس تنوع الحضور المؤسسي.
كان لجناح وزارة الدفاع مشاركة مميزة، حيث عرض كتباً في العلم العسكري، بالإضافة إلى محاكيات ومجسمات حربية هدفت إلى تعزيز معارف الزوار. وقال الضابط المسؤول عن الجناح، محمد دحنون، إن هذه المشاركة الأولى من نوعها تأتي من إيمان الوزارة بالدور المحوري للمعرفة في بناء القوة الوطنية الشاملة. وأفاد بأن معظم الكتب المعروضة كتبت بأيدٍ ثورية وتُدرَّس في كليات الوزارة.

المكتبة الوطنية: تراث أصيل نحو مستقبل رقمي
سلّطت المكتبة الوطنية السورية الضوء على كنوزها من المخطوطات النادرة والكتب العربية الثمينة. أوضح مديرها العام، سعيد حجازي، أن المشاركة ركزت على عرض هذه المواد النوعية، إلى جانب التعريف بآليات ترميم المخطوطات الأثرية، بهدف إبراز القيمة المعرفية لمقتنيات المكتبة وتشجيع الجمهور على استعادة دورها الثقافي.
تتطلع المكتبة الوطنية إلى رقمنة محتوياتها وإتاحتها إلكترونياً للقراء حول العالم، لربط أصالة التراث بالتقنيات الحديثة. هذا التوجه يعكس خطوة مهمة نحو تحديث مؤسسات الدولة الثقافية والاستفادة من التطور التكنولوجي.
حضور خليجي لافت: نسج جسور الثقافة العربية
مثّل الحضور الخليجي، وخصوصاً مشاركة وزارتي الثقافة القطرية والسعودية كضيفي شرف، مؤشراً قوياً على توجه القائمين على معرض دمشق الدولي للكتاب نحو إعادة ترسيخ موقع سوريا ضمن الفضاء الثقافي العربي. تسعى هذه المشاركات إلى توظيف الثقافة كجسر للتواصل وبناء الشراكات، مما يعكس انفتاح سوريا على العالم العربي.
أوضح جاسم أحمد البوعينين، مدير إدارة المكتبات في وزارة الثقافة القطرية، أن المشاركة القطرية تركز على عرض الإنتاج الثقافي القطري، وتقديم تجربة متكاملة لزوار الجناح تجمع بين الحواس الخمس. وشملت التجربة التفاعل مع رائحة المشموم، ولمس الشاشات التفاعلية، وتذوق القهوة القطرية، والتعرف على العمارة والفنون الشعبية القطرية. واحتوى الجناح على ركن تفاعلي للأطفال لتعزيز ثقافة القراءة، وبرنامج ثقافي ثقافي يشمل ندوات فكرية وأدبية وأمسيات شعرية.

سوق الوراقين: إحياء تقاليد الماضي في قلب دمشق
شهد معرض دمشق الدولي للكتاب this year مشاركة “الوراقين” للمرة الأولى، وهي تسمية تاريخية لبائعي الكتب المستعملة منذ العصر العباسي. تم تخصيص جناح لهم تحت اسم “سوق الوراقين”، حيث عرضوا كتباً نادرة وقديمة بأسعار مخفضة، مما جذب شريحة واسعة من القراء الباحثين عن كنوز معرفية.
إلى جانب “سوق الوراقين”، عرض جناح “الخط العربي” أعمالاً متنوعة لخطاطين سوريين معاصرين وقدماء، مسلطاً الضوء على تاريخ هذا الفن العريق وأنماطه المختلفة. وكان المعرض قد استضاف أيضاً سوقاً مصغرة للحرف اليدوية والموزاييك، ليكون بذلك مكاناً يلتقي فيه شغف القراءة بالفن والتراث.

تُمهد دورة معرض دمشق الدولي للكتاب 2026 الطريق نحو مزيد من الفعاليات الثقافية التي تعزز التبادل المعرفي وتستعيد لسوريا مكانتها المميزة على الخارطة الثقافية الإقليمية والدولية.

