في زاوية مقهى صغير في روما، يجلس مخرجان أسطوريان، فيديريكو فلليني ووودي آلن، يتشاركان النظرات إلى تفاصيل المدينة الخالدة، لكن برؤى متناقضة. لطالما كانت روما، هذه المدينة التي تسكنها الأباطرة والفنانون، مصدر إلهام لا ينضب، ولكنها أيضاً متاهة سريالية تثير في نفوس عشاقها شعوراً بالاغتراب والامتلاك في آن واحد. يلتقي خيال فلليني الجامح، وبراعة وودي آلن الكوميدية، ليكشفا عن وجهين مختلفين لهذه المدينة العجيبة، موضحين كيف يمكن لـ روما أن تكون مسرحاً لملهاة عبثية أو ملحمة تاريخية.
تمثل روما، بالنسبة للعديد من صناع الأفلام، أكثر من مجرد موقع تصوير، إنها شخصية بحد ذاتها، تنبض بالحياة والتاريخ. في هذا المقال، نستعرض كيف استطاع فيليني وآلن، كل بطريقته الخاصة، أن يحتويا جنون هذه المدينة الفريدة، ويقدما للعالم صوراً لا تُنسى عن سحرها وتناقضاتها. رحلة عبر عدسة فيليني السريالية وعدسة آلن الكوميدية، تكشف عن أسرار روما بعيون عبقرية.
فيليني: روما كحلم سريالي وذاكرة جماعية
عند فيديريكو فلليني، لا تُشبه روما مدينة واقعية، بل هي غرق تام في ذاكرة إيطاليا، أحلامها، انحطاطها الأرستقراطي، والفوضى التي أعقبت الحرب. يتجلى هذا في مشهد “الزحام المروري” في فيلمه “روما” (1972)، حيث يتحول الطريق السريع المؤدي إلى العاصمة إلى منظر سريالي أشبه بيوم القيامة، يعكس قلقاً لا ينتهي. إنه تصوير للإحساس بالاختناق الذي تمنحه روما لمحبيها، كأنها تبتلعهم في فوضاها قبل أن تسمح لهم بالدخول إلى “المدينة الخالدة”.
ثم ينتقل بنا فلليني إلى عمق المؤسسات العريقة في مشهد “عرض أزياء الكنيسة” بذات الفيلم. هنا، تتحول روما إلى مسرح طقسي، حيث ترتدي الراهبات والقساوسة أزياء غريبة ومضيئة على منصة عرض. يمزج فلليني بين التاريخ والعبثية، ليكتب قصيدة عن المظاهر في مدينة تعيش على الإبهار البصري. يرى فلليني أن روما تدير أرواح البشر من خلال دهشة الصورة، كاشفاً عن هشاشة التاريخ في مشهد اكتشاف الآثار أثناء بناء المترو، حيث تبدأ الرسوم الملونة في التلاشي بمجرد تعرضها للهواء الخارجي.
وودي آلن: روما كمسرح للصدف والمواقف الكوميدية
في المقابل، يخفف وودي آلن من وطأة العبء التاريخي لروما، محولاً إياها إلى منصة للمصادفات الساحرة والمواقف الفنتازية الكوميدية في فيلمه “إلى روما مع حبي” (2012). يظهر ذلك جلياً في مشهد “مغني الأوبرا في الحمام”، حيث لا يستطيع البطل الغناء إلا تحت دش الاستحمام، مما يضطر المنتج لوضعه في كابينة استحمام حقيقية على خشبة المسرح. هنا، تتنازل المدينة عن وقارها لتتحول إلى ساحة للبهجة، ويكسر الأميركي رصانة الفن الإيطالي بلمسة سخرية ذكية.
يقدم آلن روما كمدينة “الفرص” التي تمنح البريق لمن تشاء، على عكس “ضوء” فلليني الذي يكشف فقط. يتجلى ذلك في مشهد “المواطن المشهور فجأة”، حيث يجد موظف عادي نفسه مطارداً من المصورين دون سبب واضح. هذا المشهد البسيط يجسد جنون الشهرة في مدينة مهووسة بالصورة، حيث يمكن لأي شخص أن يصبح أيقونة بمجرد أن يسلط عليه “الضوء”. يرى آلن الأعمدة الرخامية المتكسرة في أفلامه كخلفية مبهجة، تكتمل بها الصورة الرومانسية للأبطال وهم يتجادلون حول “المعنى”.
روما: تناقضات تحتضنها المدينة الخالدة
بين “عرض أزياء” فلليني الكنسي و”استحمام” آلن الأوبرالي، تظل روما الكيان الذي لا يشبه نفسه أبداً، والقصيدة التي لا تنتهي كلماتها من رخام وقوافيها من ضوء. يعلمنا فلليني كيف ننجرف بوقار في ممرات الذاكرة، بينما يعلمنا آلن كيف نتخيل الجمال في أبسط المواقف. في الفجوة بين “الضياع” في متاهة فلليني و”السحر” في مسرح آلن، نكتشف أن روما تملك روحاً تتسع لكل أنواع التناقضات.
وقد قاما فيليني وآلن بحماية روما في أرشيف الذاكرة الإنسانية، محولين إياها من مجرد عاصمة سياسية إلى “وطن للخيال”. منح فيليني لروما مكانتها كـ “مقدس سينمائي”، بينما منحها آلن “الجواز العالمي”، مؤكداً أن هذه المدينة تملك قلباً شاباً يتسع لكل الحالمين والغرباء. تظل المقبرة المتهالكة في ذلك الزقاق الضيق رمزاً لتورطهما، فبينما كان فلليني يحفر تحتها بحثاً عن كنوز الأجداد، كان آلن يجلس عليها ليكتب رسالة حب إلى الغد.
في نهاية المطاف، تظل روما هي الفائز الأكبر، مدينة عصية على النسيان، فريدة بلا شبيه، تبتسم لجنون عشاقها المبدعين، وتستمر في صياغة حكاياتها من رخام وضوء، لتظل دائماً “القصيدة التي لم تُكتب كاملة بعد”. يتجلى الانتصار الحقيقي لعشقهما المشترك لروما في فهمهما المتبادل لولع كل منهما بالمدينة، وأن صراعهما الفني كان مجرد وجه آخر لعشقهما الأعمق، وإدراكهما أن “الآخر” هو الوحيد الذي يفهم لماذا قد يقضي المرء عمره يطارد ظلاً أو يبحث عن قصيدة في زحام خانق.

