أكبر هيكل دوراني في الكون: خيط مجري عملاق يغير فهمنا لتشكل المجرات
الأقصى، 18 فبراير 2026 – كشف فريق دولي بقيادة باحثين من جامعة أكسفورد عن اكتشاف كوني مذهل: هيكل عملاق، يُعد من بين أكبر الهياكل الدوّارة المعروفة في الكون. هذا الخيط الكوني الرفيع من المجرات، الذي يمتد عبر ملايين السنين الضوئية ويقع على بعد 140 مليون سنة ضوئية من الأرض، يقدم رؤى جديدة حول كيفية اكتساب المجرات دورانها عبر الزمن. الدراسة، التي نشرت في مجلة “الإخطارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية”، تثير تساؤلات جوهرية حول ديناميكيات الكون على نطاق واسع.
المعلومة الأبرز في هذا الاكتشاف هي أن البنية الكونية العملاقة لا تضم مجرات تدور بشكل فردي فحسب، بل أن الخيط بأكمله في حالة دوران جماعي. هذه الظاهرة، المعروفة بدوران الهياكل الكبرى، لم يتم رصدها بوضوح وحجم مماثلين من قبل، مما قد يفرض إعادة النظر في النماذج الحالية لتطور الكون.
حركة مزدوجة تربك النماذج التقليدية
تشير الدكتورة ليلى يونغ من جامعة أكسفورد إلى أن ما يميز هذا الخيط Cosmic filament هو الجمع بين اصطفاف دوران المجرات الفردية ودوران البنية الكونية الأكبر. وتصف المشهد بأنه أشبه بلعبة أكواب دوّارة، حيث يدور كل كوب حول نفسه، بينما تدور المنصة بأكملها أيضاً، مما يشير إلى وجود آلية تأثير معقدة على مستوى واسع.
وقد أظهر الرصد أن غالبية المجرات داخل هذا الخيط تدور في نفس الاتجاه الذي يدور به الخيط بأكمله. هذا الاصطفاف، أو التناسق الدوراني، يتحدى النماذج الكونية التقليدية التي تفترض أن عزم الدوران (الزخم الزاوي) للمجرات يتولد بشكل أساسي أثناء عملية تشكلها محلياً، وليس مفروضاً عليها من هياكل كونية أضخم. بمعنى آخر، قد يكون “نسيج الكون” نفسه هو الذي يمنح هذه المجرات زخمها الدوراني.
يعتقد الباحثون أن هذه الظاهرة تشير إلى أن “نسيج الكون” Farhan’s giant cosmic filament قد يلعب دوراً مباشراً في تزويد المجرات بالزخم الزاوي، مما يفتح الباب أمام فهم جديد لتطور البنى الكونية الضخمة وتفاعلاتها.
شرايين الكون
تُعتبر الخيوط الكونية، مثل هذه البنية المكتشفة حديثاً، من أكبر التراكيب المعروفة في الكون، وهي تشكل جزءاً أساسياً مما يعرف بـ”الشبكة الكونية” (Cosmic Web). هذه الشبكة الهائلة تتكون من المادة، بما في ذلك المادة المظلمة، وتمتد عبر الفضاء، حيث تتدفق عبرها المجرات والغازات. ويعمل هذا الخيط، الذي تم رصده بدقة غير مسبوقة، كسجل دقيق لكيفية تدفق المادة عبر الكون.
وصفت الدكتورة مادالينا تيودوراتشي من جامعة كامبريدج هذا الخيط بأنه “سجل أحفوري لتدفقات كونية”، لأن تتبع حركة الغاز والمجرات داخله يوفر معلومات قيمة حول كيفية نمو المجرات واكتسابها لدورانها. ويركز الباحثون بشكل خاص على المجرات الغنية بالهيدروجين، نظراً لدوره الحيوي في تكوين النجوم، مما يساعد على فهم آليات الهجرة المجرية وتأثيرها على تشكل النجوم.
تُعد هذه الأبحاث ذات أهمية قصوى لفهم المراحل المبكرة للكون، حيث يمكن أن تقدم لمحة عن الظروف التي سبقت تشكل البنى الكبرى بعد الانفجار العظيم Big Bang. وتشير النتائج إلى أن آليات تشكل المجرات قد تكون أكثر تعقيداً وتأثراً بالبيئة الكونية المحيطة مما كان يُعتقد سابقاً.
تقنيات رصد فائقة الدقة
يُعتبر هذا الاكتشاف ثمرة لتقدم كبير في تقنيات الرصد الفلكي، خاصة استخدام التلسكوبات الراديوية المتطورة. فقد لعب المرصد الراديوي “ميركات” (MeerKAT) في جنوب أفريقيا، والذي يتألف من 64 صحناً مترابطاً، دوراً محورياً في هذا الكشف ضمن مسح عميق للسماء يعرف بـ”مايتي” (MIGHTEE). هذا المسح يهدف إلى رسم خرائط شاملة للمادة الكونية وتتبع حركتها.
بالإضافة إلى البيانات الراديوية، تم الاستعانة ببيانات بصرية من مشروع “أداة التحليل الطيفي للطاقة المظلمة” (Dark Energy Spectroscopic Instrument – DESI)، وكذلك “مسح سلون الرقمي للسماء” (Sloan Digital Sky Survey – SDSS). هذا التكامل بين أنواع مختلفة من المراقبة سمح للباحثين برسم صورة متكاملة للبنية الكونية العملاقة وتحديد حركتها الدورانية بدقة غير مسبوقة.
وأكد البروفيسور مات غارفس أن الجمع بين بيانات مراصد متعددة كان عنصراً حاسماً في نجاح هذا البحث، مشيراً إلى أن مثل هذه الدراسات المعقدة تتطلب تضافر جهود فرق بحثية دولية تتمتع بمهارات متقدمة وتمويل بحثي كبير. ويبقى السؤال المطروح الآن هو: هل تتشكل المجرات من الداخل إلى الخارج، أم أن الهياكل الكونية الأكبر هي التي تفرض عليها حركتها ودورانها منذ البداية؟

