يستقبل أهالي قطاع غزة شهر رمضان المبارك وسط ظروف اقتصادية قاسية وغير مسبوقة، حيث تقترب معدلات الفقر من 90% والبطالة من 80%، مما جعل تأمين لقمة العيش اليومية تحدياً هائلاً لمعظم الأسر. وتكشف الأسعار المرتفعة للسلع الأساسية عن هشاشة الوضع الاقتصادي في القطاع، مما يضع موائد الإفطار والسحور كعبء ثقيل على عائلات أنهكتها الحرب وفقدان مصادر الدخل.
ارتفاعات قياسية في أسعار السلع الرمضانية بغزة
تُظهر مقارنات لأسعار موائد رمضان قبل وبعد الحرب قفزات صادمة، تجعل من وجبة متكاملة حلماً بعيد المنال لكثير من الأسر في قطاع غزة. خلال فترات الحصار المشدد، ارتفعت أسعار معظم أصناف الطعام بأكثر من 700% في بعض المراحل.
ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تراجعت الأسعار نسبياً، لكنها بقيت أعلى بأكثر من 100% مقارنة بما قبل الحرب. استندت التحليلات إلى الأسعار المعتمدة لدى وزارة الاقتصاد في غزة لرصد هذه الفوارق.
يقول الدكتور محمد بربخ، مدير عام السياسات والتخطيط في الوزارة، إن البيانات الرسمية تغطي منحنى الأسعار منذ ما قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى الأيام الأولى من رمضان الجاري. وأشار إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار المواد الغذائية الأساسية.
ارتفاعات أبرز السلع:
- كيلو الدجاج: ارتفع من 14 شيكلاً إلى 25 شيكلاً، بزيادة 92%.
- الأسماك المجمدة: صعدت من 8 شواكل إلى 23 شيكلاً للكيلو، بزيادة 130%.
- اللحوم الحمراء المجمدة: سجلت ارتفاعاً متوسطه 100%، ليصل سعر الكيلو حالياً إلى 40 شيكلاً مقارنة بـ23 شيكلاً قبل الحرب.
- صدر الدجاج: ارتفع بنسبة 130% ليصل إلى 35 شيكلاً للكيلو، بعد أن كان يباع بـ14 شيكلاً.
- طبق البيض: يباع حالياً بـ35 شيكلاً مقابل 13 شيكلاً سابقاً، بزيادة بلغت 170%.
الخضروات والأجبان تتأثر بموجة الغلاء
لم تسلم الخضروات من الارتفاعات. تضاعف سعر الطماطم من 5 إلى 10 شواكل للكيلو (زيادة 100%)، وقفز سعر الخيار من 3 شواكل إلى 12 شيكلاً (زيادة 300%). كما ارتفع سعر البطاطا من 3 إلى 5 شواكل للكيلو بنسبة 66%.
وسجلت أسعار الأجبان زيادة تراوحت بين 56% و110% حسب النوع، مما انعكس مباشرة على تكلفة وجبة السحور التي تعتمد بصفة أساسية على هذه الأصناف.
إفطار وسحور باهظا التكلفة
تقدر كلفة إفطار أسرة مكونة من 6 أشخاص، تتضمن دجاجتين، كيلو أرز، سلطة، مقبلات، مشروب غازي، بالإضافة إلى مستلزمات أخرى، بنحو 150 شيكلاً (48 دولاراً) حالياً، مقارنة بـ79 شيكلاً (25.3 دولاراً) قبل الحرب، بزيادة بلغت 89.8%.
أما وجبة السحور لأسرة مماثلة، والتي تعتمد على أصناف مثل الجبن الأبيض والأصفر، الحمص، الفلافل، والمرتديلا، فتحتاج إلى نحو 31.5 شيكلاً، مقارنة بـ18.6 شيكلاً قبل الحرب، بزيادة 69.3%. وبجمع تكاليف الإفطار والسحور، ترتفع الكلفة اليومية لإطعام أسرة متوسطة إلى 182 شيكلاً (58.3 دولاراً)، بارتفاع 87.6% عن السابق.
دخل يتهاوى وأرقام اقتصادية صادمة
تأتي هذه الزيادات في الأسعار في وقت يتراجع فيه نصيب الفرد السنوي من الدخل في قطاع غزة إلى نحو 161 دولاراً (503 شواكل) عام 2024، مقارنة بـ1250 دولاراً (3900 شيكل) عام 2022، وفق تقرير للأمم المتحدة.
يؤكد الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن المؤشرات الاقتصادية في غزة شهدت تدهوراً غير مسبوق، ويعزو أسباب الغلاء إلى الرسوم والتنسيقات المفروضة على الشاحنات، وسياسة إدخال البضائع بشكل ضيق جداً. وأشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يسمح بدخول ما بين 200 و250 شاحنة يومياً فقط، بينما تحتاج غزة إلى ما يقرب من 1000 شاحنة يومياً لتلبية الحد الأدنى من الطلب.
فقر وبطالة متصاعدان
تزامنت ارتفاعات الأسعار مع تصاعد معدلات الفقر والبطالة. فبينما كانت البطالة قبل الحرب نحو 43%، تدور اليوم حول 80%، فيما ارتفعت معدلات الفقر من قرابة 80% إلى نحو 90%، مع انتقال شريحة واسعة من السكان إلى دائرة الفقر المدقع.
وشدد أبو قمر على أن معالجة الأزمة تتطلب رفع القيود المفروضة على دخول البضائع وإنهاء حالة الاحتكار، داعياً إلى العودة لنظام السوق الحرة وإبقاء المعابر مفتوحة بالكامل لضمان استقرار الأسعار.
في ظل هذه المعطيات، يواجه رمضان في غزة اختباراً قاسياً لقدرة الأسر على الصمود، حيث تتقاطع الأسعار المرتفعة مع دخل متهاوٍ، لتتحول موائد الإفطار والسحور إلى معادلة يومية شاقة في حسابات البقاء.

