الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط “الإخوان” وسط حرب إقليمية
تواجه الحكومة الأردنية تحديات متزايدة في ظل استمرار الحرب الإيرانية وتأثيراتها المحتملة على المخزونات الاستراتيجية. في محاولة لتطمين الشارع، أعلنت الحكومة عن إجراءات تقشفية وضبط للإنفاق العام، إلا أن هذه الخطوات قوبلت بانتقادات وشكوك حول فعاليتها، في ظل مخاوف من تداعيات اقتصادية أعمق.
يأتي هذا التصعيد في ظل تقديرات عسكرية وأمنية تشير إلى احتمالية استمرار العمليات العسكرية وزيادة الاستهدافات الإيرانية لدول المنطقة، بما في ذلك الأردن. وتثير هذه التطورات قلقًا بالغًا بشأن أمن المواطنين وتوافر السلع الأساسية، مع تساؤلات حول مدى فاعلية الخطاب الرسمي في مواجهة الشائعات والقلق الشعبي.
تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة
لا يتوقع المسؤولون الأردنيون توقف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل يعتقدون أن استئناف العمليات العسكرية النوعية قد يؤدي إلى اشتداد القصف والقصف المضاد. هذه الاستراتيجية الإيرانية تهدف إلى زيادة الضغط على دول الخليج والأردن كورقة تفاوض، مما قد يهدد حياة المدنيين بسبب محدودية جهود الدفاع ضد الأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية.
في هذا السياق، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين. وقد نفذت القوات الجوية الأردنية غارات في الجنوب السوري ضد مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات إلى الأردن، مستغلة غياب الاستقرار على طول الحدود.
تؤكد المعلومات المتوفرة معلومات عن نشاط مسلح لميليشيات عراقية شيعية في مناطق متاخمة للحدود الأردنية، تتسلح بصواريخ ومسيّرات إيرانية متقدمة. وقد تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات هذه الميليشيات التي تصر على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية. وتتلقى القوات المسلحة الأردنية معلومات استخبارية حيوية لإفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني، رغم تحرك عناصر تابعة للنظام الإيراني بذريعة محاربة إسرائيل.
دور سلاح الجو وحالة الاستعداد
حتى الآن، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد، بدعم من القوات الدولية المتواجدة في قواعد عسكرية أردنية. ورغم تدمير بعض رادارات منظومة صواريخ الثاد، لم تتمكن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها، باستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء.
تقديرات أردنية للمستقبل المتوقع
تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب أمر متوقع، وأن استهداف إيران لأمن المنطقة لن يتوقف. وتُعتبر سياسة “الغريق لا يخشى البلل” قد تزيد من حدة الاستهدافات الإيرانية، بهدف ترك أثر يشفع لها أمام واقعها الاقتصادي الصعب. كما يُنظر إلى استمرار الحرب المشتعلة كـ”نتيجة حتمية بعد عسكرة الشرق الأوسط بالقوات الأميركية” ورغبة إسرائيل في إطالة أمد الحرب لتحقيق أهداف سياسية.
في هذا السياق، يأتي دخول “حزب الله” اللبناني على جبهة الحرب إسنادًا لطهران بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل ضد قيادات الحزب، مما تسبب في اختلالات داخلية ورفع مستويات الارتباك في قراراته. أما فيما يتعلق بدخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد، فقد قللت مصادر مطلعة من مخاوف ذلك، معتبرة أن تأثيرهم العسكري قد لا يكون فارقًا بعد تدمير إسرائيل لقدراتهم.
ومع ذلك، فإن تضخم الوجود الأمريكي في المنطقة قد يمهد لدخول عسكري أمريكي في اليمن. وتُلقي قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تتسم بالارتجالية، بظلالها على التكهنات بشأن استقرار المواقف والتزاماته، مما يفتح الباب أمام تأويلات متباينة حول مستقبل الصراع.
الجبهة الداخلية: تحديات من “الإخوان المسلمين” ومنصات التواصل
داخلياً، لا تزال جماعة “الإخوان المسلمين”، المحظورة قضائياً، فاعلة في المشهد السياسي عبر ذراعها الحزبي “جبهة العمل الإسلامي”. يمارس الحزب ضغوطاً على الدولة بمطالبته الحكومة بإدانة الولايات المتحدة وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران، دون إصدار أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين.
يُعزز من هذا الجدل تداول مداخلات رئيس “الكتلة الإسلامية” صالح العرموطي على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي، حيث يشن هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل. وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي “تصويب الأخطاء المعلوماتية”، فإن العرموطي، بما يمتلكه من خبرة، يعرف جيدًا ما “يُطرب الجمهور”، بغض النظر عن دقة تصريحاته.
ديناميكيات التعامل الإعلامي والمواقف الرسمية
في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، يرى مراقبون أن رئيس الحكومة قد يختار التعامل “بحذر ناعم” مع “الكتلة الإسلامية”، متجنبًا المواجهات الشعبية. يميل رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان إلى الابتعاد عن الظهور الإعلامي، مفضلاً التركيز على الجانب التنفيذي. في المقابل، يتولى وزير الخارجية أيمن الصفدي مهمة التواصل وتقديم الرواية الرسمية، وقد حظيت روايته بقبول شعبي في أوقات سابقة.
يُعزى غياب التصريحات السياسية الرسمية من لسان وزراء آخرين إلى عمق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي لدى الشارع. وبينما يرفض الأردن العدوان الإيراني ولا يسمح بانتهاك سيادته، تُصِر فضاءات التواصل الاجتماعي على اجتزاء الموقف وبث رسائل التشكيك. يُضاف إلى ذلك، أن غياب الحياة السياسية الفاعلة في الأردن ترك فراغًا واسعًا، بينما يبقى الآخرون يحرصون على عدم الخروج عن “سرب التصريحات الرسمية”.
حساسيات ومحاذير وتكهنات مستقبلية
سبق للعرموطي أن كان جزءًا من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وتحظى مداخلاته بشعبية جارفة رغم محدودية المعلومات التي يطرحها وانجرافه العاطفي. تبدو الحالة الأردنية منقسمة على منصات التواصل الاجتماعي، مع محاولات لضرب العلاقة الأردنية-الفلسطينية، وهو ما يتطلب توحيد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.
ماذا بعد؟ تظل الأوضاع الإقليمية متقلبة، ومن المتوقع أن تستمر الضغوط والاحتياطات الأمنية المشددة على الحدود. تظل المخاوف من العمليات الإرهابية وتأثير الحرب على الاقتصاد المحلي قيد المراقبة، بينما تتأرجح مواقف الأطراف الإقليمية والدولية، مما يضع الأردن في موقف حساس يتطلب رؤية وسياسات واضحة لضمان استقراره وأمنه.

