تسعى تركيا وسوريا والأردن والسعودية إلى إحياء مجد سكة حديد الحجاز التاريخية، عبر مشروع طموح يهدف إلى ربط الأناضول بالأراضي المقدسة. تعود فكرة هذا المشروع إلى عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، الذي وصفه بحلمه الأكبر قبل 126 عامًا، ويبدو أن هذا الحلم يقترب من التحقيق بحلته العصرية.
المشروع الجديد، الذي تم تداوله عبر مباحثات بين الدول الأربع، يهدف إلى إنشاء ممر نقل حديدي استراتيجي يمتد من إسطنبول إلى الرياض، مرورًا بسوريا والأردن. من المتوقع استكمال الدراسات الفنية لهذا الخط المستقبلي الذي سيتجاوز طوله 3 آلاف كيلومتر، والذي سيشكل ممراً عابراً للقارات يربط بين آسيا وأوروبا.
يُعتبر إحياء سكة حديد الحجاز بمثابة إعادة كتابة للمصير الجيواقتصادي للمنطقة، وفقًا للباحث صالح كايا، الذي يصف المشروع بأنه “عمود فقري استراتيجي” أعاد ربط الشرق الأوسط جغرافيًا قبل قرن من الزمان. تسعى تركيا من خلال هذا المشروع إلى دمج تراثها التاريخي برؤيتها اللوجستية الحديثة، لتشكيل شبكة تربط البحر المتوسط ببلاد الرافدين وشبه الجزيرة العربية.
سكة حديد الحجاز: ممر استراتيجي جديد
في ظل تسارع وتيرة حروب ممرات الربط في الشرق الأوسط، يمثل إحياء قطار الحجاز تحركًا استراتيجيًا لتركيا، إذ يُنظر إليه كبديل قوي وتحدٍ مباشر للممر الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC). من الناحية الجيوسياسية، من شأن هذه المبادرة أن تعزز مكانة تركيا في المنطقة وتعمق علاقاتها مع دولها، مقدمةً نموذجًا للربح المتبادل في بيئة جيوسياسية تنافسية.
لا يقتصر دور هذا القطار على نقل الركاب والبضائع فحسب، بل يهدف أيضاً إلى المساهمة في إرساء الاستقرار والتنمية الإقليميين. يعتبره الخبير في النقل والمواصلات طارق دوندار مكسباً اقتصادياً كبيراً لدول المنطقة، حيث يتميز النقل بالسكك الحديدية بكفاءته العالية في نقل البضائع لمسافات طويلة مقارنة بالنقل البحري والبري، مما قد يؤدي إلى زيادة حجم الطلب وتنويع البضائع المنقولة.
بالإضافة إلى النقل التجاري، يفتح المشروع آفاقاً واعدة لدعم سياحة الحج والعمرة، وخدمات نقل الركاب، بل وحتى تسهيل التنقل خلال الفعاليات الرياضية الكبرى مثل كأس العالم 2034 في السعودية. يسمح هذا المشروع لكل دولة بتنفيذ إجراءات الاستملاك وإنشاء البنية التحتية داخل حدودها، لكن التحدي يكمن في اختلاف الأولويات الوطنية الذي قد يؤثر على الجدول الزمني لتنفيذ الاستثمارات.
تتطلب مشاريع الربط بين الدول وقتاً طويلاً، ولذلك، يقترح الخبراء تأسيس شركة قابضة جديدة للشراكة بين الوزارات المعنية وبنك التنمية الإسلامي. عقب إعداد دراسة الجدوى الأولية، ستتبعها مرحلة تطوير دراسة مالية واقتصادية تفصيلية تشمل تحليل الموازنة والنفقات الرأسمالية والتشغيلية.
تكمن الأهمية التاريخية لسكة حديد الحجاز في كونها كانت المشروع الاستراتيجي الوحيد الذي مُوّل بالكامل من تبرعات عثمانية وإسلامية. شكلت سكة حديد الحجاز، إضافة إلى دورها كشريان نقل، مشروعًا ذا أهمية جيوسياسية للإمبراطورية العثمانية، حيث كانت تمثل تهديدًا للنفوذ البريطاني في مصر، خاصة إذا تم مد خط من مدينة معان الأردنية إلى خليج العقبة.
تتمثل الخطوة التالية في إعداد دراسات جدوى مالية واقتصادية تفصيلية، بينما تظل التحديات المتعلقة بتنسيق الأولويات الوطنية بين الدول الأربع عاملاً مهماً يتطلب متابعة لضمان نجاح هذا المشروع الطموح.

