رمضان: شهر القراءة والتأمل عند الأدباء والمفكرين
يشكل شهر رمضان المبارك محطة محورية في البرامج الثقافية للعديد من الأدباء والكتاب والمفكرين، حيث ترتفع لديهم وتيرة القراءة على حساب الكتابة، لتتحول إلى فعل تأملي يومي بعيداً عن كونها مجرد عادة لقضاء الوقت. ويمنح الصيام، بما يحمله من خلوة روحية، المبدعين فرصة لإعادة تشكيل علاقتهم بفعل التفكير والتأمل، وهما جناحان لا غنى عنهما للكتابة والقراءة. يتيح هذا المناخ الروحي والاجتماعي مساحات لا محدودة للإقبال على القراءة وجعلها ركيزة أساسية في روتينهم اليومي.
يساهم رمضان في تغيير طبيعة الحياة اليومية للأدباء وتعديل إيقاع طقوسهم، كما يساعدهم على التخلص من “لذة الكسل” التي قد تنجم عن يأسمهم من واقعهم. ويرى الكثير من المبدعين العرب أن علاقتهم بالكتابة تتراجع خلال هذا الشهر، لتفسح المجال للقراءة التي تتجاوز البعد التخصصي لتشمل أمهات الكتب الفكرية والتاريخية والدينية والتراثية. وهذا يمنح الكاتب-القارئ متعة فكرية تطهر روحه وتجدد مخزونه المفاهيمي، مما ينعكس إيجاباً على أسلوبه ورؤيته للقضايا، فتصبح كتاباته أكثر عمقاً وأصالة.
القراءة: غذاء الروح وملاذ التأمل
في هذا السياق، يوضح الكاتب والناقد السوري سامي داوود أن القراءة في رمضان تمثل درباً وحيداً لا يعرف التعب، وهي نشاط يومي أساسي لحاجته المتجددة لشحذ التأمل في تصوراته عن وجوده مع الآخرين. ويضيف داوود أن قراءاته تتنوع بين موضوعات الكراهية والحرب والحدود، لأسباب مهنية وشخصية، بهدف استخلاص مفاهيم عامة يمكن فهمها من تجارب شخصية واقعية. ويرى أن الثقافة التي تتجاهل القيم الإنسانية تنحدر إلى “خدر ذهني” يؤدي إلى عواقب وخيمة.
يصف داوود يومياته، سواء في رمضان أو خارجه، بأنها موزعة بين مكتبه الجامعي، والأرشيفات، وطاولة المطبخ، مؤكداً أن هذا الروتين لا يتغير، وأن العزلة شرط للكتابة وليست مجرد طقس. ويشير إلى أن التحدي يكمن في عصر التقنية الذي أتاح للبعض “سرقة النصوص” أو تسويقها بأسماء مزيفة. ويخلص إلى أن الجوهر الجمالي يظل عصياً على البرمجة، وأن التعبير الحقيقي يمنحنا فرصة لاكتشاف ذواتنا.
بعيداً عن ضجيج الكتابة
من جهتها، تكشف الروائية المصرية رشا عدلي أن رمضان يحمل “طقوسه الخاصة” كشهر للعائلة واللمة، مما يقلل من وقت القراءة لديها ليناسب إيقاعه المختلف. تميل قراءاتها في هذا الشهر إلى الروايات ذات النفس الطويل والنصوص التي تمزج بين التأمل والسرد. لا تبحث عن كثافة القراءة بل عن عمقها، وتحافظ على طقوس كتابتها اليومية التي تتنوع بين المقالات والمحاضرات والكتابة الإبداعية، مع انخفاض طفيف في وتيرة الكتابة الإبداعية استجابة لخصوصية الشهر.
طقوس الكتابة في زمن الهواتف الذكية
في المقابل، يجد الباحث اللبناني جوزيف عيساوي نفسه بعد الإفطار في صالات القهوة، حيث يمارس طقوسه الكتابية، مفضلاً العزلة وسط هذه الأماكن التي يعج بها الناس للتواصل. يعتبر النص “أنا آخر” يتحدث إليه، وفعل التهامس بينه وبين النص يزيد من الهوة بينه وبين العالم الخارجي. يرى عيساوي أن الجلوس على الكرسي باحترام يساعد على تلقي الكلمات والحروف بجدية، مستخدماً الحاسوب كأداة للكتابة.
يشاركته القهوة بعد الإفطار في تسهيل تداول المفاهيم بينه وبين النص، معتبراً إياها طقساً رمزياً للتواصل يعزز التركيز ويطور الأفكار. ويختار وقت الكتابة بناءً على “دفقته الشعورية” والراحة، معتبراً أن شهر رمضان، شهر الوحي، يمنحه استعداداً أكبر لاكتساب المعرفة.
يبقى شهر رمضان موعداً سنوياً يتجدد فيه تعلق الأدباء والمفكرين بالقراءة كوسيلة للتأمل العميق وتجديد الفكر، بينما تستمر طقوس الكتابة في صورها المختلفة، متكيفة مع ظروف هذه الأيام المباركة.


