شهر رمضان: شهر الفتوحات الكبرى وبدايات الأندلس
يتجاوز شهر رمضان المبارك معناه الروحي كشهر للعبادة والصيام، ليحتل مكانة بارزة في الذاكرة الإسلامية كـ”شهر الفتوحات الكبرى”. شهد هذا الشهر الفضيل عبر التاريخ الإسلامي أحداثاً مفصلية غيرت مسار الحضارة، أبرزها بداية فتوحات الأندلس. بدأت هذه الرحلة الاستكشافية الحذرة في غرة رمضان عام 91 هـ، لتمهد الطريق لحضارة استمرت لثمانية قرون، وتركت بصمة لا تُمحى على التاريخ.
تُعد الأندلس، بجمالها وسحرها، “الفردوس المفقود” في التاريخ الإسلامي. لم تكن مجرد غزوة، بل كانت بداية قصة بناء حضارة عظيمة، انطلقت بشجاعة وتخطيط من صحراء الحجاز لتصل إلى شبه الجزيرة الأيبيرية. يمتد إرث هذه الفتوحات ليشمل الجغرافيا والثقافة والفنون، ولا يزال صداها يتردد في الأجيال.
نبوءة الفتح وتمهيد الأرض للفتح الأكبر
بعد استقرار المسلمين في المغرب الأقصى تحت قيادة موسى بن نصير، اتجهت الأنظار نحو الضفة الشمالية للمتوسط. كانت الأندلس آنذاك تعاني من انقسامات داخلية وصراع على السلطة تحت حكم الملك القوطي “رودريغو” (لذريق)، مما أفسح المجال أمام الطموحات الإسلامية.
ساهم في هذه الخطوة “يوليان”، حاكم سبتة، الذي كان يحمل ضغينة شخصية ضد الملك القوطي، حيث حثّ موسى بن نصير على العبور، مقدماً نفسه كمرشد وخبير في المنطقة. ورغم الفرصة المواتية، لم يتسرع موسى بن نصير، بل استأذن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، الذي أمره بأن تكون البداية “بالسرايا” لاستكشاف الوضع بحذر.
طريف بن مالك.. القائد والمهمة الرمضانية
تجلى أمر الخليفة بحذافيره، حيث جهز موسى بن نصير سرية استطلاع صغيرة قوامها 500 جندي، بقيادة طريف بن مالك، المعروف بشجاعته وإيمانه. في غرة رمضان من عام 91 هـ (يوليو/تموز 710م)، عبرت هذه القوة المتوسط على متن سفن قدمها يوليان.
رسيت السرية في جزيرة صغيرة جنوبي شبه الجزيرة الأيبيرية، سُميت لاحقاً بـ”جزيرة طريف” تخليداً لاسم قائدها. كانت مهمة طريف بمثابة “جس نبض” حقيقي، لم تقتصر على استكشاف الجغرافيا، بل شملت اختبار قوة الدفاعات القوطية وصدق وعود الحلفاء.
من الاستطلاع إلى التمهيد للحملة الكبرى
لم تكن مهمة طريف بن مالك مجرد رحلة استكشافية، بل كانت “سرية قتالية” حققت نجاحات باهرة. نفذت السرية غارات ناجحة على الساحل الجنوبي والجزيرة الخضراء، وكشفت عن ضعف الدفاعات القوطية. عادت الحملة بتقرير مفصل عن تضاريس الأرض، ومواقع العدو، وحالة الاستياء الشعبي من حكم الملك القوطي، مما وفر قاعدة معلومات استخباراتية قيمة.
كما عادت السرية بالغنائم والأسرى، مؤكدة على ثراء المنطقة وهشاشة حمايتها. هذه النتائج الإيجابية كانت الشرارة التي أشعلت فتيل التخطيط للحملة الكبرى، معتمدة على المسار والجغرافيا التي كشفتها سرية طريف.
الأثر التاريخي لرمضان في الفتوحات
كان تقرير طريف بن مالك هو الضوء الأخضر الذي انتظره موسى بن نصير. فبعد عام واحد فقط من هذه الرحلة الرمضانية، وتحديداً في عام 92 هـ، وجه موسى قائده طارق بن زياد ليعبر المضيق بجيش أكبر، مستفيداً من الخارطة العسكرية والسياسية التي رسمتها “سرية طريف”.
لم يتوقف دور طريف بن مالك عند ذلك، بل عاد ليقود المدد العسكري الذي أرسله موسى بن نصير لنجدة طارق بن زياد قبيل معركة سهل البرباط (وادي لكة) الحاسمة. لعب طريف دوراً في حماية مؤخرة الجيش، مساهماً في ترسيخ أركان الفتح الإسلامي الذي بدأ بنزول استطلاعي في شهر رمضان.
معركة بلاط الشهداء في رمضان
في حادثة أخرى، شهد مستهل شهر رمضان حدوث معركة بلاط الشهداء، المعروفة في المصادر الأوروبية بـ “معركة تور” أو “معركة بواتييه”، في رمضان سنة 114هـ (أكتوبر/تشرين الأول 732م) وسط فرنسا الحالية. جمعت المعركة جيش المسلمين بقيادة والي الأندلس عبد الرحمن الغافقي، وقوات الفرنجة بقيادة شارل مارتل.
جاءت المعركة في سياق توسع الدولة الأموية في الأندلس وشمال أفريقيا. نجح الغافقي في توحيد صفوف المسلمين، وتوغل شمالاً حتى وصل إلى مشارف تور، حيث واجه جيش الفرنجة. ورغم تحقيق المسلمين لبعض التقدم، إلا أن اضطراب الصفوف وشائعات حول الغنائم، إلى جانب استشهاد القائد عبد الرحمن الغافقي، أدت إلى انسحاب المسلمين إلى جنوب جبال البرانس.
حريق المسجد النبوي في رمضان 654هـ
في الأول من رمضان عام 654هـ (1256م)، وقع حريق هائل في المسجد النبوي بالمدينة المنورة، تسبب في انهيار سقف المسجد بالكامل وتلف العديد من المقتنيات التاريخية. امتد الضرر ليشمل المنبر النبوي، والزخارف، والمكتبة، وكسوة الحجرة الشريفة، يعود بعضها إلى عصر صدر الإسلام.
ذكرت بعض المصادر أن سبب الحريق يعود إلى إهمال أحد خدام المسجد في إخماد القناديل المضاءة، مما أدى إلى اندلاع النيران في أنحاء المسجد.
توقع المستقبل
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يبقى التاريخ الإسلامي شاهداً على أهمية هذا الشهر كمحفز للأحداث الجسيمة. يتطلع المسلمون إلى استلهام الدروس من هذه الفتوحات والإنجازات، مع ترقب ما ستكشفه الأيام القادمة من أحداث جديدة.



