مقتل منتجة مسلسل “طهران” في أثينا يثير جدلاً حول تداخل الفن بالسياسة
شهدت العاصمة اليونانية أثينا، مساء الخامس عشر من فبراير/شباط 2026، واقعة مثيرة للجدل بوفاة دانا إيدن، المنتجة الإسرائيلية لمسلسل التجسس الشهير “طهران”. لم تكن نهاية إيدن مجرد خبر فني، بل تحولت سريعاً إلى قضية عالمية تتشابك فيها خيوط الدراما والاستخبارات، مما يعكس قوة التأثير الدرامي في عصر المعلومات المتدفقة.
حيث كانت إيدن متواجدة في أثينا، التي تستخدم كبديل بصري لمدينة طهران في أحداث المسلسل، مما جعل من موقع وفاتها مسرحاً فورياً للخيال الدرامي. الغموض المحيط بالوفاة، وإن أشارت التقارير الأولية إلى احتمالية الانتحار بناءً على العثور على أدوية وغياب آثار العنف، دفع الجمهور إلى تبني فرضية الاغتيال فوراً، معتبرين إياها امتداداً لأعمال العنف التي يصورها المسلسل.
مسلسل “طهران”: سلاح درامي في حرب الروايات
لا يُنظر إلى مسلسل “طهران” كعمل فني ترفيهي فحسب، بل يعتبر جزءاً من “حرب الروايات” في الشرق الأوسط، خاصةً وأن العمل يتعمق في قضايا حساسة مثل البرنامج النووي الإيراني. هذا السياق السياسي جعل من صناع العمل أهدافاً محتملة في نظر البعض، مما يفسر سرعة تبني سيناريو الاغتيال بدلاً من التفسيرات الرسمية.
في إيران، اعتبرت وسائل إعلام مقربة من التيار المحافظ المسلسل جزءاً من “الحرب الناعمة” والاختراق الثقافي. ونشرت صحيفة “كيهان” تعليقاً ألمح إلى “سقوط أخلاقي ومهني لصناع الأوهام”، معتبرة أن المسلسل يمثل محاولة صهيونية لتصوير اختراقات وهمية داخل العمق الإيراني. كما فسرت مؤسسات إعلامية تابعة للحرس الثوري الوفاة بأنها انعكاس لـ “مرارة الواقع الذي يحاولون تزييفه عبر الشاشات”.
على النقيض، اتسم الموقف الإسرائيلي والدولي بنبرة حزن عالية على “الرؤية الإبداعية” لإيدن. نعتت وزارة الثقافة الإسرائيلية وهيئة البث الرسمية “كان” المنتجة، واصفة إياها بـ “أيقونة نقلت الدراما المحلية إلى العالمية”. وأصدرت منصة “آبل تي في” بياناً أكدت فيه الحزن العميق لرحيل الرؤية التي “صاغت بجرأة ملامح الهوية والصراع في طهران”.
شولا شبيجل، الشريكة في إنتاج المسلسل، حاولت تبديد الفرضيات الأمنية، مؤكدة أن دانا كانت فنانة مخلصة تعاني من ضغوط المهنة، وأن الشائعات حول الاغتيالات هي “استكمال للوهم الذي تحاول الشركة محاربته عبر الفن”.
درس الجمهور: تداخل الفن والسياسة
تركت دانا إيدن إرثاً فنياً يهدف إلى تجاوز الحدود المحلية، نجحت فيه عبر صفقة مع “آبل”. المسلسل، الذي يروي قصة عميلة الموساد ذات الجذور الإيرانية، يطرح أسئلة حول الهوية والصراع، حيث تظهر إيران كوطن أم مفقود وإسرائيل كواجب ثقيل.
التوازن الدرامي الدقيق الذي حققته إيدن هو ما جعل رحيلها، في المدينة التي تؤدي دور طهران، يثير أسئلة حول حدود الفن والواقع. إن طبيعة المسلسل، التي تتناول التجسس والصراعات، تجعل من الصعب على الجمهور الفصل بين حياتها الشخصية وأحداث المسلسل.
واقعة وفاة إيدن تقدم درساً في سيكولوجية الجماهير وكيفية تداخل الفن بالسياسة في منطقة الشرق الأوسط. حتى لو انتهت التحقيقات اليونانية إلى “انتحار” نتيجة ضغوط نفسية، فإن “الحقيقة الدرامية” في أذهان الملايين ستظل معلقة بين الروايات المتناقضة.
تضع وفاة إيدن، التي كانت تشرف على التحضير للموسم الرابع، صناع المسلسل أمام تحدٍ أخلاقي وفني. فهل تستمر في إنتاج عمل يتنفس السياسة بينما تلتهب الخيالات والتوقعات السياسية صناعه؟
الموت المريب للمنتجة الإسرائيلية دانا إيدن في أثينا، والتي كانت تؤدي دور طهران في المسلسل، يؤكد أن الفن في عصرنا الحالي أصبح وقوداً لمحرك السياسة الدولي، وأن الرواية المتخيلة قد تكون أحياناً أقوى من الأدلة الرسمية. يفتح هذا الحادث الباب أمام تساؤلات حول كلفة الإبداع في “المناطق المحرمة” للصراعات الدولية.

