أثار المخرج وكاتب السيناريو الأمريكي الشهير بول شرادر، المعروف بأعماله الفلسفية العميقة، موجة واسعة من التفاعل بعد إعلانه عبر منشور على فيسبوك تحولًا جذريًا في موقفه تجاه إسرائيل. وأوضح شرادر، الذي طالما عُرف بدعمه لإسرائيل، أنه لم يعد قادرًا على الدفاع عن سياساتها الحالية، معتبرًا أن “العسكرة الثيوقراطية خطأ، مهما كان العلم الذي ترفعه”.
تحول لافت في موقف بول شرادر من إسرائيل
يمثل هذا التصريح نقطة تحول مفصلية في رؤية شرادر، الذي اعترف بأن دعمه لإسرائيل استمر لعقود، مدفوعًا بخلفيته في الدراسات التوراتية ورغبته في معالجة إرث معاداة السامية. لكنه أكد الآن أن الأفعال الإسرائيلية الأخيرة باتت “غير قابلة للدفاع عنها”. ويأتي هذا الموقف في ظل مكانة شرادر المرموقة كصوت فكري مؤثر في هوليود، حيث غالبًا ما تتناول أفلامه قضايا أخلاقية وفلسفية متشعبة.
من الدعم المستقر إلى المراجعة النقدية
لم يكن دعم شرادر لإسرائيل مجرد تعاطف عابر، بل كان قائمًا على رؤية واضحة، حيث سبق له التمييز بين الدولة وسياسات حكوماتها، مشيرًا إلى وجود انقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. كما استعاد في تصريحات سابقة جذور موقفه، مرجعًا إياه إلى نشأته الدينية وتأثره بالدراسات التوراتية، وهو ما شكل نظرته الإيجابية تجاه إسرائيل. هذا الارتباط العميق بالخلفية الفكرية يجعل تحوله الأخير أكثر قوة، فهو لا يعكس تغييراً ظرفياً بل مراجعة صريحة لمسار طويل.
أثارت تدوينة شرادر ردود فعل متباينة بين متابعيه على فيسبوك. فبينما عبّر البعض عن دعمهم لما وصفوه بـ”الشجاعة الأخلاقية” في مواجهة ما أسموه “ضغوط حرية التعبير في هوليود”، وجه آخرون انتقادات حادة، واتهموه بالانحياز أو سوء تقدير طبيعة الصراع. يعكس هذا الانقسام حالة الاستقطاب المحتدمة، حيث تحول النقاش من مجرد آراء فردية إلى جزء من جدل ثقافي وسياسي أوسع نطاقًا.
يُعرف شرادر بأنه أحد أبرز كتاب السيناريو في أمريكا، حيث كتب سيناريو فيلم “سائق التاكسي” (Taxi Driver) الشهير عام 1976. كما أخرج أعمالاً مؤثرة مثل “التعديل الأول” (First Reformed) و”العشيق الأمريكي” (American Gigolo). وتتميز أعماله بعمقها الفلسفي وتناولها لقضايا مثل الإيمان والذنب، مما يجعل مواقفه العلنية امتدادًا طبيعيًا لاهتماماته الفنية.
سياق غزة وإيران وتأثيره على النقاش في هوليود
يأتي تحول شرادر في سياق الحرب المستمرة على قطاع غزة، والتي خلفت دمارًا واسعًا وخسائر بشرية جسيمة، وأبرزت البعد الإنساني للصراع للعالم. كما تزامن هذا التحول مع تصعيد عسكري أوسع يشمل مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، مما فتح نقاشات أوسع في الأوساط الثقافية حول حدود القوة ودور الخطاب الثقافي في أوقات الصراعات.
شهدت هوليود في السنوات الأخيرة بروز مواقف لعدد من نجومها، وإن كانت غالبًا ما تأتي في شكل بيانات جماعية أو دعوات لوقف إطلاق النار، كما فعل فنانون مثل خواكين فينيكس وكيت بلانشيت، أو تعبيرات متكررة مثل تلك التي للممثل مارك رافالو. وأثارت تصريحات مثل تصريحات سوزان ساراندون جدلاً واسعًا، حيث أشارت تقارير إلى تعرضها لعواقب مهنية.

يبقى التحول الصريح من موقف راسخ، كحالة شرادر، أمرًا نادرًا في هوليود، خاصة في ظل منظومة الإنتاج والتمويل المعقدة التي تجعل أصحاب المواقف السياسية الواضحة عرضة لتبعات مهنية. تتأثر قرارات الإنتاج والتوزيع بضغوط غير مباشرة، مما يدفع الكثيرين نحو تبني خطابات عامة أو المشاركة في بيانات جماعية بدلاً من الإعلان عن مراجعات شخصية جذرية. ومع امتداد التوترات لتشمل إيران، يتزايد القلق بشأن التصعيد، وإن كان التعبير عن هذا القلق أقل تنظيمًا مقارنة بالمبادرات المتعلقة بغزة.
في هذا السياق، يبرز موقف بول شرادر بأهميته، ليس فقط لمضمونه، بل لاعترافه الشفاف بتغيير قناعاته الراسخة، وهو أمر يتجنبه الكثيرون داخل الصناعة السينمائية. التساؤل المطروح الآن هو كيف ستتطور النقاشات داخل هوليود وحول مواقف مماثلة في ظل التصعيد الإقليمي المستمر.

