في قلب المدينة العتيقة بالعاصمة التونسية، يقف جامع “صاحب الطابع” شامخًا، شاهدًا على حقبة تاريخية مهمة، وعنصراً بنائياً فريداً في المشهد المعماري الإسلامي. بُني هذا المسجد الذي يحمل اسم صانعه، يوسف صاحب الطابع، وزير الباي حمودة باشا الحسيني، ليكون آخر معلم ديني يُشاد في تونس قبل فترة الاحتلال الفرنسي. لم يكن الجامع مجرد مكان للعبادة، بل كان مركزًا ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا نابضًا بالحياة لأهالي حي الحلفاويين، مما جعله جزءًا لا يتجزأ من نسيج المجتمع التونسي آنذاك.
ويُعد جامع “صاحب الطابع” من أبرز المعالم التي تعكس فكرة المؤسسة الدينية الشاملة، حيث امتد دوره ليلعب دورًا محوريًا في التعليم، وتعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية، وترسيخ مبادئ التضامن الاجتماعي، وذلك وفقًا لشهادات خبراء جمعية صاحب الطابع للثقافة الإسلامية وبيت الحكمة.
جامع “صاحب الطابع”: تحفة معمارية تجمع بين حضارات
تتميز العمارة في جامع “صاحب الطابع” بالمدينة العتيقة بتفردها، حيث يعكس مزيجًا فريدًا من الأساليب المعمارية التي تجمع بين التأثيرات الإسلامية والأندلسية وحتى الأوروبية. تم استجلاب مواد بناء متنوعة من دول أوروبية مختلفة، مما منح المسجد تدرجات لونية غنية ومميزة، يعكس ذوقًا رفيعًا في الاختيار والتصميم.
ويُظهر المسجد براعة استخدام مواد بناء مختلفة، وهذا ما يبرز بشكل خاص في اختلاف ألوان المواد التي تم جلبها من دول أوروبية متعددة، مما أكسب المسجد مزيجًا فريدًا من الألوان. هذا التنوع في المواد لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة لتخطيط دقيق استعان فيه الوزير يوسف صاحب الطابع بالمهندس الساسي بن فريجة، الذي استغل وجود أسرى مهرة في فنون النحت والنقش، متأثرين بأنماط عصر النهضة الإيطالي.
تتجسد اللمسات الفنية الأوروبية في النقوش البارزة، بينما يتجلى التأثير الأندلسي بوضوح في زخارف وأسقف المسجد، مما يخلق تحفة معمارية تجمع بين مدارس فنية متعددة. وتزدان معالم المسجد بمنبر حجري بالغ الروعة، مزين ببلاطات من الزليج المغربي الفاخر والرخام المصقول، بالإضافة إلى دكة المرددين، التي كانت في السابق مقرًا للشيوخ لتلاوة وختم القرآن الكريم، مما يؤكد على الأبعاد الروحية والثقافية لهذا الصرح الديني.
الأوقاف والاستدامة: رؤية استشرافية للمسجد
لم يقتصر دور الوزير يوسف صاحب الطابع على الجانب المعماري والفني، بل امتد ليشمل الجانب الاقتصادي والاجتماعي من خلال مفهوم الأوقاف. فقد خصص الطابق الأرضي من المسجد لبناء محلات تجارية، مؤكدًا بذلك على رؤية شاملة للمسجد كمؤسسة مستدامة. هذه المحلات كانت وقفًا على المسجد والمدرسة الملحقة به، مما يوفر مصدر دخل ثابت لدعم أنشطة المسجد التعليمية والاجتماعية.
تؤكد هذه المبادرة على مفهوم أن المسجد ليس مجرد مكان للعبادة فحسب، بل هو مركز خدمي ومؤسسة تتيح للفرد عيش جوانب حياته اليومية، مع وجود جمعيات ملحقة تساهم في تعزيز النشاط المجتمعي الإيجابي. هذه الرؤية الاستشرافية لمفهوم المسجد كمركز مجتمعي متكامل، تظل نموذجًا يحتذى به في تفعيل دور المؤسسات الدينية في خدمة المجتمع.
ويستمر جامع “صاحب الطابع” في كونه أيقونة ثقافية ومعمارية في تونس، مع تزايد الاهتمام بترميم هذا الصرح التاريخي الفريد للحفاظ على إرثه العريق.



