منذ فجر التاريخ، كان جسد الإنسان هو أقصى حدوده، عالقًا في سجن بيولوجي ضيق. لكن بتبصره وجمعه للحجارة، انطلقت شرارة الوعي مع اختراع “الأداة”. لم تكن الأداة مجرد امتداد للأطراف البشرية، بل محفزًا لتحول جذري في الوعي، جعل الإنسان سيدًا لا فريسة. ومع ذلك، فإن تاريخ الأدوات يحمل مفارقة تراجيدية، فما خُلق لتيسير الحياة، سرعان ما انقلب لإماتتها.
يُعد اختراع الديناميت للسير ألفريد نوبل مثالاً صارخًا على هذه المفارقة. فقد أراده نوبل أداة مساعدة للبشر، لكنه أدرك لاحقًا أنها قوة عمياء يمكن استخدامها للدمار. هذا التحول من أداة للبناء إلى وسيلة للهدم يطرح تساؤلات عميقة حول المسؤولية الأخلاقية للإبداع العلمي، خاصة مع تطور أدوات العلم إلى أسلحة فتاكة.
من “ديناميت” نوبل إلى “سارين” ميرزباخر: مأساة الأداة الصناعية
تقترب مأساة العالم سيغفريد ميرزباخر، مخترع غاز السارين، من ندم ألفريد نوبل. فبينما بدأ ميرزباخر حياته بتجارب كيميائية منزلية، تحولت براعة اختراعه إلى وحشية مطلقة تحت وطأة الأيديولوجيا النازية. في عام 1933، تولى ميرزباخر مسؤولية مختبر أسلحة كيميائية، مساهمًا في تطوير أحد أكثر السموم فتكًا في التاريخ.
لم يغفر العالم لنفسه ما ارتكب، فقد قضى سنواته الأخيرة في مصحات الأمراض النفسية، متألمًا لأن أقاربه ربما لقوا حتفهم في معسكرات الإبادة باستخدام أسلحة شارك في تطويرها. وحتى على فراش الموت، لم يستطع مواجهة الحقيقة كاملة، كاتبًا ذكرياته بتلميحات مراوغة.
أوبنهايمر ومرارة “تدمير العوالم”: عواقب الاختراع النووي
ولم تكن مفارقة نية الصانع ومآل الأداة حكرًا على الأنظمة الشمولية. فقد دخل روبرت أوبنهايمر، “أبو القنبلة الذرية”، مختبره حاملًا أملًا في إنهاء الحرب. لكن، لحظة اختبار “ترينيتي” في صحراء نيو مكسيكو عام 1945، حوّلت يقينه إلى رماد.
عندها، لم يجد أوبنهايمر سوى تراتيل هندوسية قديمة ليعبر عن مرارته: “الآن أصبحتُ الموت، مُدمر العوالم”. ورغم اعتباره صنع القنبلة “ضرورة تاريخية قاسية”، إلا أن أشلاء هيروشيما وناغازاكي حوّلت هذا التبرير إلى وخز أخلاقي لم يفارقه.
منذ ذلك الحين، تراجع أوبنهايمر عن دعمه لتطوير القنبلة الهيدروجينية، معتبرًا إياها سلاح إبادة شاملة. وقد قادته هذه المواقف إلى عزلة سياسية، بل وسحب تصريحه الأمني، ليموت وحيدًا تحت وطأة الأداة التي ظن أنها ستنقذ العالم.
تفاهة الشر: من غضب أخيل إلى كوميديا شفيك: تحولات الحرب والأداة
في الإلياذة لهوميروس، تصور الحرب كعبث قاتل، ليس لصراع على أرض، بل لـ “نعرة” ذكورية. استدعت الجيوش لدك حصون طروادة، وسقطت الأرواح قرابين على مذبح الرغبة. لم يكتفِ هوميروس بذلك، بل صوّر بؤس الجنود والشيوخ، ليؤكد أن الحرب، بعد عشر سنوات، لم ينتصر فيها أحد.
تآمرت “الأداة الماكرة” (الحصان الخشبي) مع المغيرين لإنهاء اللعبة بحيلة محدودة. كانت الحرب آنذاك واضحة المعالم، تخاض “وجها لوجه” بنزاهة فظة لم تعد موجودة في حروبنا المعاصرة، حيث يغيب وجه العدو.
في رواية “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية”، ينهار الجندي باول بومر تحت وطأة العبث، لا يفهم جدوى القتال، ولا يرى أعداء حقيقيين، بل أشباحًا وجثثًا. أما في رواية “الجندي الطيب شفيك”، يقدم ياروسلاف هازيك صورة كاريكاتورية لحرب فقدت هيبتها، جندي يطيع الأوامر بحماسة بلهاء.
تتفجر الكوميديا السوداء من تحول “الطاعة” إلى فعل آلي، أشبه برؤية تشارلي شابلن الساخرة للحداثة. المؤسسة العسكرية لا تسمح لجنودها باستخدام عقولهم، بل تختزلهم إلى مجرد “براغي” في آلة ضخمة. هذا المسخ الجديد يستدعي ما وصفته حنة أرندت بـ “تفاهة الشر”، حيث صار الشر مجرد “تنفيذ للمهام”.
يؤدي قارئ هازيك إلى الضحك، لكنه ضحك يخبئ فزعًا، كما أشار ميلان كونديرا متسائلاً: “أوليس مدهشًا أن تكون هذه الرواية الهزلية في الوقت نفسه رواية حرب؟ ما الذي حدث للحرب وأهوالها حتى تصير موضوعًا للسخرية؟”.
البكاء بين يدي زرقاء اليمامة: الصمت النووي وفشل السرد
في 6 أغسطس 1945، شقّت الأداة وجه التاريخ. لحظة فارقة انطفأ فيها نور السماء لتشتعل الأرض بجحيم. مع انشطار الذرة، تلاشت مدينة بكل تفاصيلها، ذابت الأجساد في وهج أعمى، وساد صمت مطبق.
إنه “الصمت النووي” الذي تسلل إلى نصوص ياسوناري كاواباتا، وسكن أرواح جيل من حكماء اليابان اختاروا الرحيل في غرف مغلقة. أدركوا أن لغة آلاف السنين من الحضارة خرست أمام جبروت الأداة.
في فيلم “هيروشيما حبيبتي”، يقف آلان رينيه ومارغريت دوراس أمام “مستحيل السرد”. تحاول الذاكرة تجسير فجوة الفاجعة بالحب، لكن الرد الياباني الحاسم: “أنت لم تري شيئًا في هيروشيما”، يكشف اغتراب اليابان عن العالم.
في هذا التلاطم الحواري، يتكشف “الهول” كمادة عصية على الإبصار. فبينما كانت الحروب القديمة تشيد ملاحمها من بطولات الجثث، جاء الانشطار النووي ليزيح الراوي، فماذا يتبقّى للوصف حين يصعق الضوء الباهر الرائي ويتركه ذاهلًا؟
خديعة أطلانتس: العقل في مواجهة العمى
على امتداد التاريخ، ظل العلم ذروة المجد البشري، به غادر الإنسان الكهوف واقتحم الفضاء. لكن القراءة النقدية لهذا الصعود تكشف حقيقة مربكة: العقل هو “الأداة المرجعية” التي تمنح كل ابتكار معناها. ومع تصاعد نذر المواجهة النووية، تبدو كفاءة هذا “الرئاسة العقلية” موضع اتهام.
غدا العقل، الذي هندس الأدوات لصيانة الحياة، أسيرًا لزهوه، ناسياً تحذير أفلاطون في أسطورة أطلانتس عن تلك اللحظة الرهيبة التي يمتزج فيها الزهو بالعمى. في محاورتي “تيماوس” و”كريتياس”، رسم أفلاطون ملامح جزيرة وصلت حضارتها شأوًا بعيدًا، لكن الصلف تسلل إليها، فجاء العقاب بكلمات قاطعة: “في يوم وليلة واحدة من غضب الآلهة، غاصت أطلانتس في القاع”.
ليست هذه النهاية خرافة محضة؛ ففي اللحظة الحاسمة، لا تسقط المدن كمساحات جغرافية، بل كحيوات مهدورة. حين يختال العقل بنفسه، لا تتهاوى الإمبراطوريات وحدها، بل الأجساد التي خانتها عقولها.
في البدء، ولدت الأداة لترميم كائن لا تحتمل هشاشته. لكن السؤال يفرض نفسه اليوم بإلحاح أشد: ما الذي كان العقل يرمي إليه حين صاغ القنبلة؟ أضل طريقه؟ ربما. لكن الأداة، في ذاتها، لم تخطئ يومًا هدفها.
إن تتبع المسار من شظية الصوان الأولى إلى خوارزميات القتل عن بعد يعيدنا إلى مرارة ما قاله ساراماغو: “الطينة التي جُبلنا منها نصفها خبث، ونصفها الآخر استهتار”. ففي هذه اللحظة التاريخية، انقلبت أدوات البقاء إلى نذر للفناء. ومع تآكل مؤسسات الردع وتراجع منطق العقلانية، لم يعد السلاح النووي كابوسًا افتراضيًا، بل احتمالا واقعيا. ويغدو السؤال كارثيًا: ماذا يتبقى للإنسان ليدافع به عن نفسه، حين يكتشف أن خصمه الأشد فتكًا كان، طوال الوقت، كامنًا في رأسه؟
مع تزايد المخاوف من تصاعد التوترات الجيوسياسية، يظل مصير الأدوات العلمية، ومنها الأسلحة النووية، مرهونًا بخطوات القادة الدوليين ومدى التزامهم بمنطق العقلانية وضوابط الردع، وسط ترقب العالم لتطورات مستقبلية قد تشكل مستقبل البشرية.

