يعود مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي” بشخصية عبد الغفور البرعي ليحتل صدارة النقاشات، حيث استطاع هذا التاجر العصامي، الذي جسده الفنان الراحل نور الشريف، أن يحفر اسمه كأيقونة في الدراما المصرية، مستمرًا في استحضار أصداء عميقة لدى الأجيال المختلفة بعد مرور ما يقارب ثلاثة عقود على عرض العمل.
تُعد رواية إحسان عبد القدوس، المعالجة تلفزيونيًا ببراعة، نموذجًا للدراما الاجتماعية التي لامست تحولات المجتمع المصري والاقتصادي في التسعينيات، مما عزز من مكانتها في الذاكرة الجمعية.
نجاح من اللحظة الأولى
في ذروة الدراما الرمضانية خلال شهر رمضان عام 1996، حقق مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي” نجاحًا جماهيريًا لافتًا. لم يقتصر نجاح العمل على حبكته المشوقة، بل امتد ليشمل قدرته الفائقة على رصد وتصوير التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع المصري، خاصة بروز طبقة جديدة من رجال الأعمال وتغير القيم بين الأجيال.
يُقدم المسلسل قصة صعود عبد الغفور، بدءًا من كونه عاملًا بسيطًا في وكالة البلح، مرورًا برحلته الشاقة نحو الثراء والنفوذ، مع التركيز على التضحيات الإنسانية التي دفعها في سبيل تحقيق طموحاته. ولم يكن المسلسل مجرد سرد لقصة كفاح اقتصادي، بل جعل من الصراعات الأسرية محورًا أساسيًا، خاصة الصدام بين جيل يؤمن بقيمة الخبرة العملية، وجيل آخر يرى في التعليم والاستقلالية مفتاح النجاح.
بين الحماية والهيمنة
تظهر شخصية عبد الغفور كأب يواجه اتهامات بالتعنت وضيق الأفق، لكن يتضح لاحقًا أن رفضه لطموحات ابنه ينبع من خوفه على الابن من الانحراف عن مسار النجاح المثبت. ورغم رؤية الأب في تمرد ابنه إنكارًا للجميل، يرى الابن في سلطة والده قيدًا على حريته.
يمكن وصف عبد الغفور بأنه أب يتحمل مسؤولية كبيرة؛ فهو يوفر الحماية ويتدخل عند الحاجة، إلا أنه قد يخلط أحيانًا بين مفهومي الحماية والهيمنة. ورغم مظاهر القوة، تكشف لحظات ضعفه وقلقه على أسرته عن إنسان يخشى الفقد أكثر من تعلقه بالسيطرة.
الأمان مقابل الطاعة
تُبرز علاقة عبد الغفور بزوجته وفاءه وحرصه على سعادتها، مع الحفاظ على نظام صارم داخل المنزل لضمان تماسك الأسرة. يتماشى هذا مع رؤيته لدوره الأساسي في توفير الحماية والإنفاق بسخاء، مقابل الاحترام والطاعة، وأن الاستقرار الأسري يتحقق من خلال وضوح الأدوار.
بالنظر إلى العمل اليوم، قد يُنتقد ما يُنظر إليه كصرامة، إلا أن الشخصية لم تُقدم على أنها متسلطة أو عنيفة، بل كرجل تقليدي يسعى لحماية عالمه. وكون ذكوريته لم تُقدم كقهر، بل كقناعة راسخة في سياق اجتماعي وزمني، جعلته يبدو مألوفًا ومفهومًا لدى الجمهور وقتها.
إنسان قبل أن يكون رمزًا
في الرواية، يمثل عبد الغفور نموذجًا للتحول الطبقي والتمرد على إرث الأب. أما في المسلسل، فقد اكتسبت الشخصية أبعادًا إنسانية أعمق، عززها أداء نور الشريف، الذي أبدع في تصوير لحظات التردد والانكسار، مما منح الشخصية عمقًا لم يكن بنفس التفصيل في النص الأصلي.
لم يعد عبد الغفور مجرد رمز اجتماعي، بل أصبح إنسانًا حقيقيًا؛ يخطئ، يندم، يتردد، ويعيد حساباته. خوفه من الفقر الممزوج برغبته في الحفاظ على ما بناه بجهده، هو ما منح الشخصية خلودها، وجعل الجمهور متعاطفًا معها حتى وإن اختلف مع قراراتها.
من الشاشة إلى منصات التواصل
بين الصرامة والقلق، وبين السلطة والحب، يظل عبد الغفور البرعي شخصية تتجاوز زمنها، لأنها تعالج جوهر العلاقة المعقدة بين الآباء والأبناء في مجتمع دائم التغير. وقد حافظت منصات التواصل الاجتماعي على حضور الشخصية عبر تداول صورها وجملها الشهيرة في “الميمز” و”الكوميكس”، مما أعاد تقديمها لجيل لم يشاهد المسلسل.
هذا الحضور الرقمي المستمر أسهم في ترسيخ شخصية عبد الغفور كرمز ثقافي، ومنحها حياة ثانية، بل ربما ثالثة، خارج سياقها الزمني الأول، مما يؤكد على أثرها الدائم في الوجدان العربي. تبقى التحديات المستقبلية مرتبطة بكيفية استمرار هذا التفاعل الرقمي وأثره في حفظ إرث هذه الشخصية الأيقونية.


