القاهرة – في مدينة الفشن، جنوب محافظة بني سويف بصعيد مصر عام 1900، ولد طه حسن مرسي، ليصبح أحد أبرز الأصوات وأكثرها تأثيراً في تاريخ التلاوة والابتهال الديني، وليترك بصمة لا تُمحى في الوجدان الثقافي المصري والعربي. ارتبط اسم الشيخ طه الفشني، المعروف بـ “كروان الإذاعة”، بمدينته العريقة، وامتد صيته ليشمل العالم العربي والإسلامي، ليصبح اسمه علامة مضيئة في الذاكرة السمعية الجمعية، خاصة خلال شهر رمضان المبارك.
كان لأثر الفشني القرآني، ولا سيما في شهر رمضان، عمق وتأثير بالغ، مستنداً إلى صوت فروسي ظل لعقود طويلة رفيق موائد الإفطار وليالي الشهر الكريم. إنه القارئ الكبير، وسيد التواشيح، الشيخ طه الفشني، الذي شكل صوته جزءاً لا يتجزأ من التراث الرمضاني في مصر.
جزء من التراث الرمضاني
شكلت حنجرة الشيخ طه الفشني ركناً أصيلاً من أركان التراث الرمضاني في مصر. لم يكن صوته مجرد تلاوة إذاعية، بل كان طقساً رمضانياً متكاملاً وبصمة نورانية تسبق أذان المغرب ومدفع الإفطار عبر أثير الإذاعة المصرية. كان يرتل ما تيسر من الذكر الحكيم، ومن أشهر ما ارتبط اسمه به في هذا التوقيت سورة الذاريات، لتكون حروفها الأخيرة إيذاناً بدخول وقت الإفطار.
كما كان الفشني قيثارة سماوية تنقل الأرواح إلى أفلاك الابتهالات الروحانية قبيل مدفع الإمساك وانتهاء السحور. من أشهر ما قدمه في هذا التوقيت ابتهالات مثل “ويا أيها المختار” و”بشراك يا نفس إن الصوم زكاك”. واشتهر كذلك بتواشيح الفجر، إذ كان يخصص قبل الأذان ابتهالات فردية مؤثرة، ظلت عالقة في الذاكرة الجمعية.
قال الإعلامي عمرو الليثي، رئيس اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي، عن أثر الفشني: “من منا ينسى الابتهال الذي كان يقدمه الشيخ طه الفشني قبل أذان الفجر، وكان الجميع ينتظره ويسمعه ويستمتع به؟”. وصفه الليثي بـ “كروان الإذاعة، وصاحب الحنجرة الذهبية، وملك التواشيح”، مؤكداً أن جيلاً كاملاً تشبع بعبقريته الصوتية واستلهمها في ليالي رمضان.
يعد ابتهال “السلام عليك يا شهر الصيام” من أشهر أعمال الفشني، والأكثر ارتباطاً بشجون وداع شهر رمضان في الوعي الجمعي المصري. فقد ارتبط صوته الخاشع، وهو يشدو بهذا الابتهال، بدموع المصلين وهم يرددون خلفه: “السلام عليك يا شهر رمضان، السلام عليك يا شهر القرآن”.
على مدار عقود، ترك الفشني أثراً وجدانياً واجتماعياً بالغ العمق لدى جمهور الصائمين، حتى غدا صوته رمزاً رمضانياً خالصاً، إلى جوار الفانوس وزينة الشوارع ومدفع الإفطار. ارتبط عبر الأجيال بلحظات السكون والترقب قبيل الإفطار، وروحانيات السحور، وشجون انقضاء الشهر الفضيل.
أيقونة وطنية ورمز في الذاكرة
ولد الشيخ طه الفشني عام 1900، وحفظ القرآن الكريم في سن العاشرة، ثم أتم القراءات العشر في الأزهر الشريف. التحق بالإذاعة المصرية عام 1937، ومنذ ذلك التاريخ، ارتبط صوته ارتباطاً وثيقاً بأجواء شهر رمضان المبارك. بعدما أصبح ثالث القراء المعتمدين في الإذاعة، بعد الشيخ محمد رفعت والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، كان من القلائل الذين اعتمدتهم إذاعة القرآن الكريم قارئاً ومبتهلاً.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الفشني مجرد قارئ عادي، بل أصبح صوت “الوطن حين يترمضن”، وصاحب مدرسة متفردة في التلاوة والإنشاد، تجمع بين الخشوع والهيبة والعبقرية. بدأ مسيرته بإحياء الليالي الرمضانية بالإنشاد الديني، ويعد مبتكر فن الإنشاد في عصره.
عين قارئاً لمسجد السيدة سكينة، أحد أشهر المساجد التاريخية في مصر، وظل فيه حتى وفاته. وتولى منصب نقيب القراء منذ عام 1962. لم يقتصر شغف الناس بصوته النوراني على عامة المصريين والعرب والمسلمين فحسب، بل امتد ليشمل النخبة السياسية.
ظل لمدة 9 سنوات، بين عامي 1943 و1952، يتلو القرآن في السهرات الرمضانية بقصري عابدين ورأس التين في عهد الملك فاروق. كما امتد تأثيره في عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي عرف عنه تفضيله لصوت الفشني.
سمات فريدة
امتلك الشيخ طه الفشني خامة صوتية استثنائية، مكنته من تصدر المشهد في الترتيل والابتهال. جعلت كبار الملحنين، مثل زكريا أحمد وسيد شطا ومحمد عبد الوهاب، يقبلون على تلحين التواشيح له. درس علم المقامات الموسيقية وأتقنها، وتحدثت تقارير عن إجراء دراسات علمية على قوة أحباله الصوتية.
بحسب مفتي الديار المصرية الأسبق علي جمعة، فإن الفشني كان يمتلك صوتاً نادراً جعله متحكماً في المقامات الموسيقية، مشيراً إلى دور معلمه الشيخ والمنشد الراحل علي محمود في صقل أدائه. غير أن سر تفرده لم يكن الصوت وحده، بل قدرته على استشعار معاني الآيات والابتهالات، وهو ما جذب إليه قطاعات واسعة من الجمهور، خاصة في شهر رمضان.
يرى مراقبون أن “صوت الشيخ طه الفشني الناعم اللين، بقدرته العالية على التلون والتصوير، كان أكبر معين للمستمع على الدخول في حالة الابتهال والاستقرار النفسي. فيما شكلت تواشيح الفجر لحظة مثالية لاندماجه في الابتهال الفردي الذي يسبق الأذان، مقدماً خلالها روائع لا تُنسى”.
صوت خالد
توفي الشيخ طه الفشني في 10 ديسمبر/كانون الأول عام 1971، لكن صوته لم يغب، فما تزال تسجيلاته تبث حتى اليوم عبر الإذاعة المصرية والقنوات الدينية المتخصصة. لا يزال اسمه حاضراً بقوة في الإعلام المصري مع كل حلول شهر رمضان.
لا يزال صوته طقساً رمضانياً متجدداً يترقبه الناس مع كل هلال، ليعانق التواشيح الإيمانية وآيات الذكر الحكيم في سكينة وسلام، يخففان عن القلوب ضجيج الحياة، ويستحضران من الماضي هوية رمضانية مميزة، ما زال لها حتى اليوم مفعول السحر.

