الأمازيغ والإسلام: قصة لقاء يعيد تشكيل الهوية المغاربية
الجزائر – يكشف كتاب “الأمازيغ والإسلام: قصة لقاء” للكاتب الجزائري إبراهيم تزاغارت، في طبعتيه التونسية والجزائرية لعام 2025، عن جوانب تاريخية جديدة تسلط الضوء على العلاقة المعقدة بين الأمازيغ والإسلام، مفنداً بذلك العديد من الأحكام المسبقة والغموض الذي طالما أحاط بهوية الأمة الأمازيغية. يتجاوز الكتاب النظرة التقليدية للعلاقة بينهما، ليرسم صورة أكثر عمقًا وتفصيلاً، تعتمد على مصادر عربية وغربية، بمنأى عن الأيديولوجيات المتحيزة.
توحيد مبكر: جذور العقيدة في شمال أفريقيا
من المفاجآت التي يقدمها الكتاب، المهدى لروح المفكر الأمازيغي مولود معمري، أن صلة الأمازيغ بالتوحيد لم تبدأ بوصول الإسلام بل تعود إلى القرن الرابع الميلادي. فقد انتشرت بينهم عقيدة الراهب آريوس، المولود في برقة الليبية عام 256م، وهي عقيدة تنفي الطبيعة الإلهية للمسيح، مما يتناقض مع قرارات مجمع نيقية. ويشير تزاغارت إلى أن هذه الخلفية التوحيدية لعبت دوراً حاسماً في اعتناق الأمازيغ للإسلام جماعيًا، مؤكدًا أنهم لم ينظروا إلى العرب الفاتحين كغزاة لأرضهم، بل كرسل لدين جديد.
ظلم تاريخي: إعادة قراءة علاقة الأمازيغ بالإسلام
تُسلط هذه الدراسة الضوء على “الظلم التاريخي” الذي تعرضت له الهوية الأمازيغية، لا سيما فيما يتعلق بعلاقتها بالإسلام. يشير الكاتب إلى أن مقولات المؤسسة الاستعمارية الفرنسية، التي كانت تفصل البعد المتوسطي للأمازيغ عن البعد العربي، قد انحازت إليها بعض الجيوب الأمازيغية المعاصرة. ومن المفارقات التاريخية التي يوردها الكتاب، ما جاء في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ملك الروم: “فإن تولّيت فعليك إثم الأريسيين”، حيث فسرها البعض بأن المقصود هم أتباع آريوس الموحد، مما يشير إلى وجود صلات مبكرة بين الأمازيغ والمفاهيم التوحيدية قبل الإسلام.
احتكاكات أولى: لقاءات سابقة للفتوحات
يفاجئ الكتاب القارئ الذي يعتقد أن الاحتكاك الأول للأمازيغ بالإسلام كان عبر الفتوحات، بقصص تاريخية ترد في مصادر عربية قديمة، تبين أن هذا الاحتكاك سبق ذلك بفترة، حتى إن بعضه حدث في الزمن النبوي نفسه. يذكر تزاغارت، مستندًا إلى ابن كثير، وفدًا أمازيغيًا آريوسيًا موحدًا حج إلى القدس، سمع بخبر النبي الجديد، فقرر مقابلته. وجد الطرفان تشابهاً جوهرياً في عقيدة التوحيد، مما يبرز عمق الجذور التوحيدية في المجتمع الأمازيغي. كما أشار ابن خلدون إلى لقاء وجيه أمازيغي من مغراوة، يدعى صولات بن وزمار، بالخليفة عثمان بن عفان، الذي أقره على قومه بعد إسلامه، مما شكل خلفية للحلف الذي نشأ لاحقاً بين مغراوة وبني أمية في الأندلس.
عقدة الفاتح: سياق تاريخي لمقتل عقبة بن نافع
يعالج الكتاب حادثة مقتل عقبة بن نافع الفهري عام 683م على يد القائد الأمازيغي كسيلة بن لمزم، ويسعى لوضعها في سياقها التاريخي الصحيح. يوضح تزاغارت أن والي أفريقية وقائد الفتح، أبو المهاجر دينار الأنصاري، عرف كيف يستقطب كسيلة ويقربه، بل ويدعوه لاعتناق الإسلام والانضمام إلى مسعى الفتح. على النقيض من ذلك، ألقى عقبة، الذي خلف دينار، القبض على كسيلة، مما خلق لديه ولدى أتباعه حالة من الغضب الشخصي، بعيدًا عن أي موقف معارض للإسلام كدين. يرى الكاتب أن تهميش دور أبي المهاجر دينار، والتركيز المفرط على عقبة بن نافع في رواية الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا، يصب في مصلحة تاريخ الصدامات العسكرية، على حساب تاريخ التوافقات والتقارب السياسي.
نهاية الشكوك: اندماج الأمازيغ في الحضارة الإسلامية
بعد أن تجاوز الأمازيغ فكرة أن العرب الوافدين جاءوا للاستيلاء على الأرض، انخرطوا في الدين الإسلامي عقيدة ووجدانًا. لم تعد هناك حاجة لإرسال مدد عسكري من دمشق، حيث أصبح الدفاع عن الفتوحات قائمًا على أبناء الأرض أنفسهم، مما أفسح المجال لظهور فكرة فتح الأندلس. ويكشف الكتاب، مستشهدًا بابن خلدون، أن حاكم سبتة الإسباني، جوليان، لم يكن إسبانيًا بل كان من أصول أمازيغية وعقيدته آريوسية، مما يفسر مساعدته لطارق بن زياد الأمازيغي في عبوره إلى شبه الجزيرة الأيبيرية.
هوية ثقافية: تبلور الثقافة الأمازيغية الإسلامية
يشير تزاغارت إلى أن الاستقلالية السياسية للأمازيغ عن المركزية المشرقية، التي انحرفت نحو البعد العرقي، أدت إلى تبلور إعلان الثقافة الأمازيغية المكتوبة عن نفسها، إلى جانب روافدها الشفوية، مؤطرة بالرؤية الإسلامية للوجود. وقد مال الأمازيغ في تلك الفترة إلى استعمال الحرف العربي في كتاباتهم، بالرغم من امتلاكهم أبجدية خاصة تسمى “تيفيناغ”، وذلك لارتباطهم الروحي بالإسلام. ويعد كتاب “التوحيد” الذي ترجمه مهدي النفوسي الويغري أول مصنف مكتوب باللغة الأمازيغية.
يبرز كتاب “الأمازيغ والإسلام” لإبراهيم تزاغارت أهميته في فضح المقولات التي ترى في الثقافة الأمازيغية افتعالاً، سواء من قبل النخب التي تدعو إلى طمس الثقافات المحلية لصالح البعد العربي، أو تلك التي ترى في الثقافة الغربية بديلاً عن الخصوصيات التاريخية للشعوب المغاربية.
تتجه الأنظار الآن نحو تداعيات هذا الكتاب البحثي الهام، ومدى تأثيره في إعادة تشكيل السرد التاريخي للهوية المغاربية، وما إذا كان سيفتح الباب أمام مزيد من الدراسات التي تعالج العلاقة المتجذرة بين ثقافات المنطقة ودينها المشترك.

