الكاتب الأردني سامح المحاريق يعيد تشكيل فهم السلطة والمجتمع في “المتفرج والوسيط”

عمان – يقدم الكاتب الأردني سامح المحاريق في كتابه الجديد “المتفرج والوسيط: قراءات في جينالوجيا السلطة والناس”، الصادر عن دار جدل، رؤية نقدية معمقة للواقع العربي، مستكشفًا عبر صفحاته المسافة المتنامية بين السلطة والمواطن. الكتاب لا يقف عند حدود وصف الأزمات، بل يسعى لإعادة رسم خريطة أخلاقية وسياسية تتجاوز مجرد تحليل السلطة العربية لتغوص في جذورها التاريخية والنفسية.

ينطلق المحاريق من فرضية أن العربي المعاصر تحول من فاعل في التاريخ إلى مجرد متفرج، مسلطًا الضوء على “جينالوجيا” هذا التحول. الكتاب، الذي يتتبع نماذج مختلفة من لبنان وسوريا إلى مصر وفلسطين، يقدم تحليلاً لجذور “الخراب والمهانة الممتدة” التي يعيشها العالم العربي، مؤكدًا على ضرورة تسمية ما يحدث كـ”إهانة مركبة” تتجاوز مجرد الهزيمة السياسية.

الخراب والمهانة الممتدة: نظرة في عمق الأزمة

يعلن المحاريق بجرأة فشل “المشروع الفكري المتكامل” في العالم العربي، ليس كعجز فردي بل كمشروع ثقافي عام افتقر إلى الفعل رغم كثرة التشخيصات. يقدم كتابه، الذي يتجاوز وهم “المانيفستو” ليكون سلسلة من المقالات المتجاورة التي تبني على بعضها، سردية عن “جينالوجيا” الخراب وليس خطة للإنقاذ. لا يعد الكتاب بشيء، بل يصر على أن مجرد تسمية الواقع – كثف من كونه هزيمة سياسية – هو فعل ضروري.

يحكم هذا الوعي بنية الكتاب، حيث تخرج الفصول المخصصة لدول مثل لبنان وسوريا وفلسطين ومصر وليبيا والسودان من إطار التحليل القطري لتصور فضاء عربي واحد يتكرر فيه نمط الدولة المدارة عبر وسطاء، طبقات وسطى خائفة ومشلولة، نخب ثقافية تستهلك خطاب المقاومة، وجمهور يُطلب منه دفع ثمن فشل الآخرين.

“الوسيط ليس مجرد شخص، بل هو بنية اجتماعية تتغذى على الفصل بين الناس والفعل، ويُقنع الجميع بأنه ضرورة لا بديل عنها.”

هندسة العزلة: ثنائية المتفرج والوسيط

يضع المحاريق فرضية جريئة مفادها أن الإنسان العربي المعاصر لم يعد فاعلاً تاريخياً، بل “متفرج” محترف. الفضاء العام في المنطقة العربية تم تصميمه ليكون “شاشة” كبيرة، يدعو الناس للمشاهدة والتفاعل العاطفي، لكنه يمنعهم من لمس خشبة المسرح. هذه “الفرجة” ليست قدراً بيولوجياً، بل هي نتاج “جينالوجيا” قمع ممنهج حول المواطنة إلى حالة انتظار سلبي.

في هذه الدراما، يبرز “الوسيط” كشخصية محورية. يرى الكاتب أن الأنظمة لم تعد تواجه شعوبها مباشرة، بل استحدثت طبقة من الوسطاء، كالرجال الدين، والنخب، وزعماء الطوائف، والمؤثرين الرقميين. هؤلاء الوسطاء هم “صمامات الأمان” التي تمنع الاحتكاك المباشر، وهم من يصوغون الحقيقة ويغلفونها قبل وصولها إلى “المتفرج”.

“الكنبة هي الرمز المادي لانتهاء السياسة وتحولها إلى دراما تلفزيونية، حيث يُقنع المواطن بأن الاستقرار في القعود أفضل من مخاطرة الوقوف.”

حزب الكنبة وسوسيولوجيا الصمت

لا يكتفي الكتاب بنقد النخبة، بل يوجه سهامه نحو “الجماهير” أيضاً، محللاً “حزب الكنبة” كظاهرة سيكولوجية تعبر عن الانسداد التاريخي. الكنبة هي الرمز المادي لانتهاء السياسة وتحولها إلى دراما تلفزيونية، حيث يُقنع الجالسون بأن التغيير مجرد “فوضى”، وأن الاستقرار في القعود أفضل من مخاطرة الوقوف.

ثنائية “المتفرج/الوسيط” هي عدسة تفسيرية حادة. المتفرج ليس كسولاً أو جاهلاً، بل واعٍ بالألم، غاضب وساخر، لكنه محكوم بالبقاء خارج القرار. يرى ويسمع ويقول كل شيء، إلا الشيء الوحيد الذي يغير المسار. في المقابل، الوسيط هو وظيفة اجتماعية-سياسية تتغذى على الفصل بين الناس والفعل، يتحدث باسم الجماعة ويفاوض نيابة عنها، ويقنع الجميع بأنه ضرورة لا بد منها.

لا يحمّل المحاريق المسؤولية كاملة للسلطة، ولا يبرّئ المجتمع بدعوى القمع، بل يعمل في المنطقة الرمادية حيث تتقاطع الطائفية، والأبوية السياسية، والاقتصاد الريعي، والرمز الثقافي، لتنتج إنساناً عربياً معاصراً يعرف أكثر مما يستطيع، ويرى أكثر مما يملك، لكنه يبقى متجمداً ومتفرجاً.

“الإنسان العربي المعاصر يعرف أكثر مما يستطيع، ويرى أكثر مما يملك، لكنه في كل الأحوال متجمد ومتفرج.”

جغرافيا التيه: نماذج من الواقع العربي

ينتقل المحاريق بين النماذج الإقليمية. في لبنان، يفكك “سيرة أخرى للوسطاء”، حيث الطائفية ليست ديناً بل “شركة وساطة” تبيع الهوية مقابل الولاء، وتجعل من الدولة “شبحاً” لا يمكن الوصول إليه إلا عبر “الزعيم”. يقدم نقداً للطائفية كآلية توزيع سلطوية تجعل من “الوسيط” مركز السياسة، فيما يُترك المواطن بين هامشين.

في مصر، يغوص في تحولات الطبقة الوسطى وتآكل قيمها، محللاً كيف تحولت “الأبوية السياسية” إلى قيد. يقدم قراءة مزدوجة لناصر، الذي أطلق توسعاً تعليمياً وصناعياً، لكنه في الوقت نفسه كرس نموذج “الأب الذي يعرف كل شيء”، مما فتح الباب لعلاقة مرضية بين الدولة والمجتمع استُثمرت لاحقاً للمطالبة بالتضحية بلا مشاركة حقيقية. الاقتصاد هنا ليس جداول نمو، بل مسرح للكرامة والإذلال.

من “الحب القاسي” إلى الزومبي العربي

في الفصل الطويل عن “النسخة الفلسطينية لقصة الحب القاسي”، يتناول الكتاب موقعاً محرماً نسبياً في الخطاب العربي: نقد الذات الفلسطينية من موقع التعاطف. يتوقف المحاريق عند محمود درويش، الشاعر الذي لعب دور المتحدث باسم “الحب القاسي” الذي مارسته الثورة على الفلسطينيين، قبل أن يدخل عالماً نرجسياً دون أن يتنازل عن مزايا الشراكة القديمة مع السلطة.

في المقابل، يستعرض كتابات تركي فواز وشادي لويس، ليكشف كيف عاش الفلسطينيون مهانة مزدوجة: ضحايا استعمار، وضحايا نظرة عربية تراهم حائطاً مائلاً. مفارقة المثقف تبرز بين الأيقونة (الوسيط) والمنبوذ الذي يصرخ في برية النفي.

يتناول فصول سوريا، حيث بلدٌ على خرائط الآخرين، تحكمه نخبة عسكرية علوية حولت الدولة إلى جهاز أمني دائم. يرى الكتاب أن بشار الأسد ليس مجرد ديكتاتور، بل “طبيب عيون” لشعب في غيبوبة. “الزومبي العربي” هو ملايين يعيشون حياة معلقة بين صدمات الحرب واللجوء، دون رفاهية تفسير ما جرى.

“يكتب المحاريق عن القذافي وليبيا وعن حميدتي والسودان، يتحرّك الكتاب من نقد البنى الرمزية إلى تحليلٍ لطرق تصنيع الوحوش في المنطقة.”

وحوش فرانكشتاين في المختبر العربي

في ليبيا، يرى القذافي تجسيداً لنرجسية رسالية تستفيد من فراغ المؤسسات. في السودان، حميدتي ليس استثناء بل نتيجة منطقية لتفويض ميلشيات “الجنجويد” وترقية قائدها دون أي مدرسة سياسية أو أخلاقية سوى مدرسة الغنيمة. السودان، “الأكبر مما يلزم ومما يحتمل”، يظهر كحالة قصوى لدولة فشلت في تحويل اتساعها الجغرافي إلى ثراء سياسي.

“المتفرج والوسيط” ليس كتاباً مريحاً، إنه نصّ يهدف إلى إزعاج القارئ ونزع السكينة عن “كنبته” الوثيرة.”

ثورة الصفوة واللاهوت السياسي

يُعالج الكتاب موقع المثقف العربي كجزء من البنية التي ينتقدها. نقده لفكرة “ثورة الصفوة” يرى استدعاء “الصفوة” بدلاً من “النخبة” يعيد إنتاج لاهوت سياسي يبرر سلطة “من فوق” على “العوام”. لا يوفّر نقده اليسار ولا الليبراليين الجدد.

“يا عزيزي، كلنا سلفيون”، لا بمعنى سلفية فقهية بل بمعنى أننا نعيش على وصفات جاهزة فكرية أو أيديولوجية، ونخاف مواجهة السؤال الحقيقي: ما الشرعية اليوم؟

صرخة في واد صامت

“المتفرج والوسيط” ليس كتاباً مريحاً، بل نص يهدف إلى إزعاج القارئ. سامح المحاريق يسعى لتشخيص المرض العربي، لكنه يتركنا بلا دواء. قد لا يغير الكتاب الواقع، لكنه سيغير بالتأكيد طريقة نظرنا إلى “الوسيط” الذي يقف بيننا وبين مرآتنا. يظل العمل ضرورياً لفهم لماذا نراقب تاريخنا يُكتب بأيدي غيرنا، بينما نحن نكتفي بدور “المتفرج”.

يبقى السؤال مفتوحاً حول إمكانية تجاوز دور “المتفرج” والبحث عن سبل للخروج من معادلة “الوسيط” التي باتت تهيمن على المشهد العربي.

شاركها.
Exit mobile version