يصل فيلم “مايكل” إلى دور العرض السينمائية حول العالم، حاملاً معه سيرة ذاتية لفنان أيقوني، ليصبح أحد أكثر المشاريع السينمائية إثارة للجدل هذا العام. يتناول الفيلم، الذي بدأ عرضه في أبريل/نيسان 2025، حياة مايكل جاكسون المليئة بالتعقيدات والحساسية، من خلال منظور فني وثائقي. يمثل هذا العمل، بإنتاجه الضخم وميزانيته التي تجاوزت 200 مليون دولار، محاولة لإعادة تقديم أسطورة فنية لطالما أثرت في الأجيال.

فيلم “مايكل”: رحلة في مراحل التكوين الأولى لأسطورة

يركز فيلم “مايكل”، من إخراج أنطوان فوكوا وكتابة جون لوغان، على السنوات التكوينية الأولى للفنان مايكل جاكسون. يبدأ الفيلم بتصوير طفولته المبكرة ضمن فرقة “جاكسون 5″، التي أسسها والده، حيث برز مايكل كصوت رئيسي. ثم ينتقل ليتابع بدايات مرحلة المراهقة والانتقال نحو مشروعه الفردي.

يضع الفيلم العلاقة المضطربة والمهينة مع الأب، جو جاكسون (كولمان دومينغو)، في قلب السرد. تُصوّر هذه العلاقة كمحرك رئيسي للأحداث، حيث تتحول قسوة الأب أحياناً إلى دافع للإنجاز، وأحياناً أخرى إلى عبء نفسي ثقيل على مايكل.

هذا التركيز على المراحل المبكرة يمنح الفيلم كثافة درامية، حيث يستجيب لرغبة الجمهور في معرفة المزيد عن بدايات فنان عالمي. ومع ذلك، يكشف هذا الاختيار عن تحيز سردي واضح، بتقليص أو حذف تفاصيل هامة من حياة جاكسون اللاحقة. يُنظر إلى هذا التوجه على أنه محاولة لتقديم قصة الصعود والنجاح، مع ترك المراحل الأكثر تعقيداً وإثارة للجدل خارج الصورة.

يتجنب الفيلم التطرق المباشر للعديد من القضايا الجدلية التي أحاطت بحياة جاكسون، مقدماً نسخة منقحة من سيرته. يكتفي الفيلم بإعادة بناء اللحظات الأيقونية، دون التعمق في تبعاتها أو تناقضاتها. هذا يجعل السرد يبدو منتقى بعناية للحفاظ على صورة معينة، بدلًا من محاولة فهم سيرة شديدة التعقيد.

يثير هذا النهج تساؤلات حول هدف الفيلم الأساسي؛ هل يسعى إلى فهم شخصية مركبة أحبها الكثيرون وأحاطت بها الشائعات، أم هو احتفاء محسوب بأسطورة فنية؟ يبدو الفيلم أقرب إلى الخيار الثاني، حيث يعيد تقديم مايكل جاكسون كرمز فني في طور التشكيل، دون المخاطرة بتفكيك هذا الرمز، باستثناء العلاقة مع الأب، التي تُوظف درامياً كجزء من المأساة.

يرتبط هذا التوجه المدعوم من القائمين على إرث مايكل جاكسون بمحدودية غير معلنة في السرد. يصبح من المفهوم أن الفيلم يلتزم بحدود معينة فيما يمكن قوله، وما يجب تجاهله، وما يُعاد تأطيره. بهذا، يقدم فيلم “مايكل” صورة تبرز الإنجاز الفني على حساب أي جانب آخر.

تُظهر قصة الفيلم، المروية من زاوية محددة، كيف يمكن إعادة كتابة السيرة الذاتية عبر الحذف والاختيار، بينما تظل القصة الأصلية بكل تعقيداتها على هامش الفيلم.

هل الأغاني بديلاً عن الدراما في فيلم “مايكل”؟

يثير الفيلم تساؤلاً حول ما إذا كان عملاً فنياً خالياً من الروح الدرامية الحقيقية، أم تجربة موسيقية خالصة مصممة لإمتاع محبي مايكل جاكسون. يعتمد الفيلم بشكل كبير على إعادة إحياء اللحظات الأيقونية من مسيرة جاكسون.

تتجلى أقوى مشاهد الفيلم في الحفلات والعروض، حيث يتحول إلى مساحة حيوية نابضة بالحركة. يعيد الفيلم تقديم أغاني مايكل جاكسون بطريقة تجعلها تبدو وكأنها تُؤدى لأول مرة، مستخدمًا الإيقاع والإضاءة وتصميم الرقصات لخلق تجربة متكاملة.

تقدم هذه اللحظات، التي تضع المشاهد في قلب حفلات جاكسون أو كواليس تصوير فيديوهاته الموسيقية، كجوهر للعمل. هذا يجعل الفيلم أقرب إلى عرض موسيقي سينمائي منه إلى فيلم سيرة ذاتية تقليدي.

يأتي هذا على حساب البناء الدرامي، حيث يبدو السرد سطحياً ويمر سريعاً على طبيعة شخصية مايكل. يُصوّر الفيلم جاكسون كطفل مسالم ومثالي، حتى بعد تجاوز مرحلة الطفولة. كما يمر الفيلم سريعاً على التحولات النفسية، مكتفياً بربط المحطات الكبرى بخطوط عامة.

وسط هذا التوازن، يبرز أداء جعفر جاكسون، نجل شقيق مايكل، في تجسيد شخصية عمه. اختياره لم يكن اعتباطياً، بل بدا وكأنه محاولة لإضفاء مصداقية جسدية وحركية، والتقاط تفاصيل دقيقة من حضور مايكل جاكسون، خاصة في الأداء الحركي على المسرح.

مع ذلك، يفتقر العمق النفسي للشخصية خارج هذه المشاهد، حيث لا يتيح النص مجالاً لمواهب تمثيلية أعمق. ينعكس هذا التفاوت في استقبال الجمهور والنقاد؛ فالجمهور يحتفي بالفيلم كعمل ممتع ومليء بالطاقة، بينما يرى نقاد أنه يفتقر للرؤية والعمق، ويعيد تدوير لحظات معروفة دون تقديم قراءة جديدة لها.

يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية استقبال الجمهور لهذا العمل ومدى قدرته على تقديم تحليل شامل ومعقد لشخصية أيقونية مثل مايكل جاكسون، خاصة مع استمراره في دور العرض.

شاركها.
Exit mobile version