تُعد “المعرفة” حجر الزاوية في تكوين الوعي الإنساني وهي المفتاح لفهم العالم المحيط بنا. تمكننا المعرفة من تفسير الظواهر، وإدراك العلاقات المعقدة، بل والتنبؤ بما قد يحمله المستقبل. ورغم اختلاف التعريفات التي قدمها الفلاسفة عبر العصور، إلا أن جوهر المعرفة يكمن في كونها اعتقادًا مبررًا وصادقًا، مما يمنحها قوة وقيمة فريدة في مسيرة التطور البشري.
ماهية المعرفة: هندسة الوعي الإنساني
تُعرّف المعرفة بأنها "الاعتقاد المبرر"، وهو مفهوم تناولته الفلسفة بالعديد من التعريفات. فقد حدد الفيلسوف اليوناني أفلاطون المعرفة بأنها اعتقاد صادق يتأسس على ثلاثة أركان: الإيمان، والصدق، والتبرير. في المقابل، يرى الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أن المعرفة هي "إدراك التوافق أو عدم التوافق بين فكرتين". أما جون ديوي، فقد أضاف بعداً آخر للمعرفة، معتبراً إياها نتاج عملية عقلية تفاعلية تربط بين الخبرة والأدلة.
أبعاد المعرفة تتجاوز مجرد المعلومات لتشمل خبرة منظمة في أنماط التفكير وبنى مفاهيمية تخلق المعنى. كما تتجسد في أشكال من النشاط والعمل والمهارات اليدوية والذهنية. ومع تراكم التجارب البشرية، نشأت مجالات معرفية متعددة شكلت مخزونًا غنيًا لطرق التفكير والشعور والفعل والإبداع.
تنعكس أبعاد المعرفة في ثلاث نقاط أساسية: أولاً، آليات اكتسابها وتوليدها وبنائها، أي السبل التي نتعلم بها ونفكر. والثاني، أشكال المعرفة وأنواعها المختلفة التي تعكس حصيلة الفهم الإنساني. أما البعد الثالث، فيتعلق بغايات المعرفة ووظائفها، حيث لكل سياق إنساني سبب لطلب المعرفة، مما يجعل فهمنا لعملية المعرفة أعمق من الاقتصار على نتائجها.
مستويات المعرفة متنوعة، وتتعدد السبل الصالحة لاكتسابها. تبدأ الرحلة بالإدراك الحسي الذي يعتمد عليه الطفل بشكل فطري. ومع تطوره، تظهر قدرات العقل والمنطق واللغة. فالعقل والمنطق يمنحان الإنسان القدرة على الاستنتاج المنطقي، بينما تعمل اللغة كوسيط لنقل المعرفة وصياغة الأفكار. وتساهم العاطفة أيضاً في تشكيل الفكر وتوجيه السعي نحو المعرفة.
مستويات المعرفة: من الحواس إلى التفكير النقدي
يتكون اكتساب المعرفة من خلال وسائل أساسية تشمل الإدراك الحسي، العقل، المنطق، واللغة. يبدأ الإنسان بتجاربه الحسية منذ الولادة، ومع نموه، تتطور قدراته العقلية والمنطقية واللغوية. الإدراك الحسي، رغم كونه أبسط وأسرع طرق المعرفة، قد لا يكون دائمًا موثوقًا تمامًا، حيث يختلف تفسير التجارب الحسية من شخص لآخر.
تلعب اللغة دورًا محوريًا في نقل المعرفة وتشكيل الفكر. فهي ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي الوسيلة التي نصيغ بها أفكارنا ونخزن بها معرفتنا. من خلال اللغة، يمكننا دمج المعرفة المكتسبة من مصادر مختلفة، وفهم السياقات المختلفة التي تمنح المعنى. وبذلك، فإن اللغة تساعد على هيكلة التجارب وتنظيمها، وترسم الفروق وتصنف الأمور لتكوين فئات معرفية.
تُعد العاطفة عاملاً مؤثرًا في عملية بناء المعرفة، حيث يمكن أن تكون مفتاحًا لفهم الذات والعالم. ورغم أن المعرفة المكتسبة عبر العاطفة قد تكون ذاتية، إلا أن تدريب العواطف يلعب دورًا أساسيًا في تعزيز عملية التعلم. فإثارة المشاعر الإيجابية تجاه المعرفة، مثل الفضول والحماس، تحفز على التعلم والبحث.
أما العقل والمنطق، فهما الوسائل الأهم لاكتساب المعرفة وتنظيمها. يمنحنا الاستنتاج المنطقي القدرة على الانتقال من مقدمات إلى استنتاجات صحيحة، سواء كان ذلك استدلالاً استنباطيًا أو استقرائيًا. الاستدلال الاستنباطي يضمن صحة التسلسل الفكري، بينما يعتمد الاستدلال الاستقرائي على الملاحظة للوصول إلى تعميمات، وهو أداة قوية لفهم العلاقات بين الأشياء.
أنواع المعرفة: أنواع رئيسية تؤثر في فهمنا
تصنف المعرفة إلى ثلاثة أنواع رئيسية: المعرفة الشخصية، المعرفة الإجرائية، والمعرفة الافتراضية أو الحقائقية. المعرفة الشخصية تتعلق بكيفية جمع المعلومات وتنظيمها واستخدامها في الأنشطة اليومية. أما المعرفة الإجرائية، فهي معرفة "كيفية القيام بشيء ما"، وتتطلب امتلاك المهارة الفعلية للأداء.
النوع الثالث، وهو محور اهتمام علم المعرفة، هو المعرفة الافتراضية أو الحقائقية، التي تتعلق بمعرفة الحقائق. وعلى الرغم من وجود فروقات بين هذه الأنواع، إلا أنها غالبًا ما تكون متداخلة. فالمعرفة الشخصية قد تتضمن حقائق افتراضية، والمعرفة الإجرائية تتطلب فهم بعض الحقائق. لكن المعرفة الافتراضية وحدها لا تكفي لاكتساب المعرفة الشخصية أو الإجرائية، فهي تشكل قاعدة ضرورية لتطوير المهارات والخبرات.
إن السعي المتجدد نحو الفهم والاكتشاف والإبداع هو ما ترسم به مستقبل الإنسانية. المعرفة ليست مجرد معلومات، بل هي روح تسري في الفكر الإنساني، تشكل وعيه وتوجه أفعاله، وتمنحه القدرة على إعادة بناء ذاته والعالم. تظل المعرفة جسرًا بين الماضي والحاضر والمستقبل، وعنوانًا لمسيرة الإنسان في البحث عن الحقيقة.

