تُعدّ مدينتا القاهرة والجزائر، القلبين النابضين للوجدان العربي، أكثر من مجرد عواصم سياسية وديموغرافية؛ فقد شكّلت كل منهما نافذة بصرية غيّرت من خيال الملايين عبر شاشات السينما. وعلى الرغم من عراقة كلتا المدينتين، نسجت السينما حولهما مسارات متوازية، فاحتكرت القاهرة ذاكرة “الدراما الاجتماعية” النابضة بالحياة، بينما رسّخت الجزائر صورة “الملحمة التاريخية” التي لا تُنسى. هذا التباين لم يكن صدفة، بل نتاج سياقات تاريخية عميقة. في القاهرة، أصبح “الزحام” بطلاً بصرياً، وفي الجزائر، تجذّر “الجرح” كرمز للمقاومة.
نجحت الشاشة في خلق أساطير حضرية تتجاوز الواقع الجغرافي، مما يضع الزائر أمام صورة ذهنية مسبقة. عند زيارة القاهرة، يبحث المرء عن الضحكة وسط الهموم كما في أفلام الأبيض والأسود، فيما يُستنطق الصمت في أزقة القصبة بالجزائر بحثاً عن صدى الثورة. هذا المقال يستكشف كيف شكّلت السينما الهوية البصرية للقاهرة والجزائر، مبرزاً دور “السينما المصرية” و “السينما الجزائرية” في بناء هذه الأساطير الحضرية.
القاهرة: الزحام وصراع البقاء
في السينما المصرية، تبدو القاهرة مصنعاً هائلاً للحكايات اليومية؛ فهي ليست مجرد خلفية، بل شريك في الحب والجريمة والبحث عن الرزق. وصف الناقد الراحل سمير فريد القاهرة في أفلام يوسف شاهين بأنها “المحرك الدرامي الأول”، فهي “ليست مجرد ديكور”. في فيلم “باب الحديد”، تتحول المحطة إلى “قاطرة اجتماعية” تجسد تناقضات مصر، حيث يصبح المكان أداة لـ “تعرية الصراع الطبقي” وتحويل الازدحام إلى أداة للحصار النفسي.
أطلق شاهين ثورة بصرية في “باب الحديد” باختزال العاصمة في محطة قطار، محولاً إياها إلى “قاهرة مجهرية” تعج بالتناقضات. مزج شاهين رؤيته الغربية بواقعه المحلي ليجعل محطة مصر مسرحاً للصراع الاجتماعي، بين الباعة الجائلين والسلطة، والعمال والمهمشين. هنا، يصبح “الزحام” قيمة تعبيرية رئيسية، يعكس اضطرابات الشخصيات النفسية والاجتماعية. القاهرة في هذا التصوير هي مدينة “الحركة الدائمة”، التي تجد جماليتها في الحيوية الصاخبة.
لم تقتصر السينما المصرية على الحركة، بل تعمقت في “الأخلاق الحضرية” في رائعة صلاح أبو سيف “القاهرة 30”. حول الفيلم المدينة إلى مختبر أخلاقي تحت وطأة الفوارق الطبقية. تنقل التصوير بين المكاتب الحكومية والأحياء الشعبية، مجسداً الضغوط التي تشكل الخيارات الشخصية. ترسخت صورة القاهرة كمدينة “الاختبار الأخلاقي”، حيث تصبح الشوارع الضيقة والمقاهي المكتظة شهوداً على صعود طبقات وسقوط أخرى. كرّس هذا الفيلم شخصية قاهرية سينمائية مشتبكة مع يومياتها، تتفاوض باستمرار مع محيطها الحضري.
مع دخول الألفية الجديدة، لم تتخلَّ السينما عن هذا النهج، بل حدّثته ليتناسب مع التحولات العمرانية والسياسية. يشير عالم الاجتماع الدكتور جلال أمين إلى أن السينما المصرية، خاصة في واقعيتها، قدمت القاهرة كساحة للمطامع الطبقية والارتقاء الاجتماعي، وأن “عصر الانفتاح والتحول” أصبح جلياً في تصوير العمارة، من الشقق الفارهة إلى غرف السطوح، كمفسر لنفسية الإنسان المصري وتطلعاته.
برز فيلم “عمارة يعقوبيان” كذروة في تصوير القاهرة كبناء اجتماعي معقد. جعل المخرج مروان حامد، عن رواية علاء الأسواني، بناية في وسط البلد رمزاً للمدينة. يعكس التداخل بين سكان الشقق الفارهة وغرف السطوح الهرمية الاجتماعية، لتظهر المدينة كتلة نابضة بالتناقض، فضاء للفساد من جهة، وملجأ للمهمشين من جهة أخرى. تصرخ اللغة السينمائية للقاهرة بـ “التجربة المعيشية”؛ فالضجيج البشري دائماً حاضر، يحكي قصة الصعود والهبوط لعاصمة تلتهم أبناءها وتحتضنهم.
الجزائر: المقاومة وقدسية الذاكرة
في المقابل، تقدم السينما الجزائرية نموذجاً مغايراً، حيث المدينة “فضاء سيادي” بامتياز. منذ الاستقلال، ولدت السينما الوطنية من رحم النضال، مبتعدة عن الدراما الاجتماعية اليومية لصالح “الملحمة الجماعية”. الجزائر في السينما ليست مدينة للتعايش الطبقي، بل “ساحة معركة” لاستعادة الهوية. تأثر المخرجون بالظرف التاريخي، وجعلوا من الحجر والمساحات الحضرية أدوات للمقاومة.
الجزائر العاصمة في الشاشة هي مدينة “الذاكرة التي لا تنام”، فكل زقاق يحمل بصمة الشهداء، وكل جدار يروي قصة مواجهة. يذكر الباحث الجزائري الدكتور أحمد بجاوي أن السينما الجزائرية، التي “ولدت في الجبل، لكنها حققت انتصارها في المدينة”، حولت معالم العاصمة إلى معالم للهوية والسيادة. في فيلم “معركة الجزائر”، لم تكن القصبة مجرد حي، بل “رحماً للثورة”، وأصبح الحجر سينطق بالتاريخ قبل اليوميات.
يعد فيلم “معركة الجزائر” (1966) لجيلو بونتيكورفو الوثيقة البصرية الأهم التي حددت ملامح المدينة سينمائياً. باستخدام جماليات “السينما الحقيقية” وطاقم تمثيلي من غير المحترفين، تحولت القصبة إلى رمز عالمي للمقاومة. لم تهتم الكاميرا بالحياة الاجتماعية بقدر اهتمامها بالجغرافيا القتالية: الانفجارات، المخابئ، ونقاط التفتيش. الجزائر في الفيلم هي مدينة “الإرادة الجماعية”، حيث يختفي الفرد لصالح القضية، ليخلق الفيلم “أسطورة بصرية” جعلت العالم يرى العاصمة كمدينة صلبة، مرتبطة بقدسية التحرير.
إن غياب “الصخب الاجتماعي” لصالح “صمت الترقب” خلق صورة ذهنية للمدينة كرمز للنضال العالمي ضد الاستعمار. امتدت هذه الحالة السينمائية لتشمل المعاصرة، كفيلم “بابيشا” (2019) لمونيا مدور، الذي يصور الجزائر في التسعينيات كموقع لصراع جديد حول الهوية والحريات. تظل المدينة فضاء للتحدي الجماعي، حيث تصبح ممارسة الحياة العادية فعلاً نضالياً. تميل السينما الجزائرية، بجذورها الثورية، لتصوير الجزائر كمكان للبحث عن “الذات الوطنية” والاصطدام مع القوى الكبرى، مما يجعلها مدينة “الموقف” لا “الحكاية” فقط.
الأسطورة والواقع الاجتماعي
يعود التباين في تصوير القاهرة والجزائر إلى اختلاف “نقطة الانطلاق” السردي. التاريخ المصري الحديث سمح للسينما بأن تكون مرآة للتحولات الاجتماعية، مما جعل القاهرة مدينة “الدراما البشرية”. كانت السينما المصرية منخرطة في الواقعية، مستلهمة عناصرها من المقاهي والأسواق، لتصبح القاهرة “استعارة للتفكك الاجتماعي أو اليأس الفردي”، لكنها دائماً تضج بالحياة.
أما السينما الجزائرية، فقد ولدت كـ”فعل استرداد” للتاريخ من الرواية الاستعمارية. لم يكن هناك متسع للدراما الاجتماعية الهادئة أمام صدمة الاستعمار، فظهرت الجزائر كـ”رمز للسيادة”. المدينة الجزائرية في السينما لا تُصوّر بصخب أسواقها، بل بـ”النطاق الملحمي” للصمود. لهذا، يرى المشاهد العالمي القاهرة كمدينة للقصص والتناقضات، بينما يرى الجزائر كرمز للتضحية والمنعطفات التاريخية.
يوضح الناقد والمؤرخ الجزائري مولود ميموني كيف صهرت السينما الجزائرية الفرد داخل الجماعة، وكيف ظهرت المدينة كبطل ملحمي. “المدينة في السينما الجزائرية الكلاسيكية هي بطل جماعي، ونادراً ما نجد فيها ‘البطل الفردي’”، مما يجعلها “سينما (نحن)، وليست سينما (أنا)”. تظهر الجزائر العاصمة دائماً في حالة استنفار؛ الشوارع ليست للنزهة بل للمسيرات، والبيوت ليست للراحة بل للاختباء والتخطيط.
في المحصلة، تظهر القاهرة والجزائر على الشاشة كشاهدين على قدرة السينما في صياغة “الخيال الحضري”. عملية بناء مستمرة تجعل من شوارع القاهرة رمزاً للحياة الاجتماعية بتعقيداتها، ومن أزقة الجزائر رمزاً لعنف التاريخ وإرادة الشعوب. كلاهما خيار فني واعٍ يعكس ليس فقط شكل المدينة، بل روح الأمة. تواصل المدينتان صياغة هويتهما على الشاشة، لتبقى القاهرة مدينة “الصخب الإنساني”، والجزائر مدينة “الذاكرة الخالدة”.

