وزير التراث الإيراني: استهداف المواقع الأثرية اعتداء على الهوية والتاريخ
طهران – وصف وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية الإيراني، رضا صالحي أميري، الأضرار التي لحقت بعدد من المواقع الأثرية والتاريخية في إيران خلال الحرب بأنها ليست مجرد “أضرار جانبية”. وأكد أميري، في مقابلة مع الجزيرة نت، أن هذه الاعتداءات تمثل “اعتداءً على التراث الثقافي الإيراني وعلى هوية البلاد الحضارية”، منتقداً بشدة صمت المنظمات الدولية عن استهداف مواقع تاريخية عالمية.
وأشار صالحي أميري إلى أن الشعب الإيراني يمر بأيام عصيبة في ظل عدوان شامل، وأن الهجمات لم تقتصر على الأفراد والمنشآت، بل طالت المراكز التاريخية والحضارية والثقافية، معتبراً ذلك أمراً بالغ الخطورة لأن هذه المواقع تمثل الهوية والذاكرة والتاريخ.
خرق للقواعد الدولية
من الناحية القانونية، أكد الوزير الإيراني أن هناك قواعد دولية واضحة لحماية المراكز التاريخية أثناء النزاعات، مستشهداً باتفاقيات لاهاي عام 1952 وقواعد اليونسكو عام 1972. وتنص هذه القواعد بوضوح على عدم استهداف المراكز الثقافية والحضارية والتاريخية للدول أثناء الحروب. لكن صالحي أميري عبر عن أسفه لعدم احترام أي من هذه القواعد في الحرب الحالية، واصفاً ذلك بأنه خرق قانوني وانهيار للمعايير الإنسانية والأخلاقية.
قصر غلستان.. رمز للتاريخ والهوية
وفي أثناء المقابلة، تحدث الوزير الإيراني من قصر غلستان في طهران، أحد أهم وأعرق المباني التاريخية في العاصمة، والذي يعود تاريخه إلى العصر الصفوي وأُكمل في العصر القاجاري. وقد سُجل القصر وطنياً عام 1956، وعلى قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2013، مما يجعله ذا قيمة دولية تتطلب حمايته من الجميع.
وأوضح صالحي أميري أن هذه المباني والمواقع تمثل هوية أمة وتاريخ شعب، وأن الشعوب تستمد معناها واستمرارها من هذا الإرث الحضاري المتراكم. وتضم إيران 43 ألف موقع أثري مسجل وطنياً و29 موقعاً مسجلاً عالمياً، مما يعكس حجم المسؤولية الوطنية والدولية في حمايتها.
أضرار جسيمة تتطلب وقتاً طويلاً للترميم
وعن حجم الأضرار التي لحقت بقصر غلستان، عبر الوزير عن قلقه الشديد، مشيراً إلى تخريب الثريا، وآثار موجة الانفجار التي شوهت المكان، وسقوط أجزاء من الزخارف الدقيقة من السقف. وأكد أن هذه الأضرار ليست بسيطة ويمكن إصلاحها بسرعة، بل تتطلب من سنة إلى سنتين على الأقل للترميم، وبعض الأجزاء تحتاج إلى خبراء متخصصين. وحذر من أن الترميم، مهما كان متقناً، لا يعيد الأثر إلى حالته الأصلية تماماً، مؤكداً أن كل ضرر يلحق بموقع تاريخي هو خسارة حقيقية لا يمكن تعويضها بالكامل.
توسع دائرة الاستهداف
لم يقتصر الضرر على قصر غلستان، بل امتد ليشمل مواقع أخرى تعرضت لأضرار جسيمة. من بينها قصر جهل ستون في أصفهان، وقلعة فلك الأفلاك في خرم آباد، ومبنى مجلس الشيوخ القديم في طهران. كما سجلت أضرار في مواقع مهمة بأصفهان مثل المسجد الجامع ومسجد الإمام، بالإضافة إلى متحف خسرو آباد في كردستان وقصر صفي آباد في مازندران.
ويرى الوزير أن هذا الاستهداف المباشر لمواقع التراث الثقافي بات واضحاً، معتبراً أن هناك من يعتقد أن ضرب هذه المباني يمكن أن يهدم هوية الأمة أو يضعفها. لكنه وصف هذا الاعتقاد بأنه “وهم باطل”، مؤكداً أن الهوية أعمق من مجرد استهداف الحجر، وإن كان ذلك يمثل اعتداءً مباشراً على رموز هذه الهوية الوطنية.
تساؤلات حول صمت المنظمات الدولية
وفي رسالة واضحة للمنظمات الدولية، تساءل صالحي أميري عن سبب صمت الأمم المتحدة ولاهاي واليونسكو أمام هذه الأعمال غير الإنسانية التي تتنافى مع المبادئ العالمية. وأكد أن المواقع المسجلة على قائمة التراث العالمي تصبح ملكاً للبشرية جمعاء، وأن الصمت على استهدافها يثير تساؤلات حول جدوى المنظومة الدولية.
كما دعا وسائل الإعلام الكبرى إلى نقل هذه الصورة بوضوح للرأي العام العالمي، مشدداً على أن التراث الثقافي نفسه أصبح عرضة للاستهداف خلال هذه الحرب التي لا تلتزم بالقوانين والمبادئ.
الدفاع عن الهوية والتاريخ
وجه الوزير نداءً لجميع الإيرانيين في الخارج، مؤكداً أن الدفاع عن هذه المواقع ليس دفاعاً عن “أحجار صامتة”، بل عن الذاكرة الوطنية وعن الروابط التي تربط الأجيال بتاريخها وحضارتها. كما خاطب العالم الإسلامي والعربي، مشيراً إلى الامتدادات الثقافية لهذه المواقع وأن ما يجري في إيران لا ينبغي أن يُنظر إليه كشأن محلي فقط، بل كمساس بتراث حضاري له امتدادات في المنطقة.
وفي ختام المقابلة، جدد التأكيد على أن الشعب الإيراني اختار المقاومة والدفاع عن أرضه وتاريخه وهويته وحضارته، وأن إيران روحهم وهويتهم وشرفهم، وسيدافعون عنها حتى اللحظة الأخيرة. وأضاف أن استهداف المواقع التاريخية هو جزء من الحرب النفسية، لكنه لن يتمكن من سلب شعب إيمانه بأرضه وتاريخه وحضارته.

