تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: خسائر اقتصادية واجتماعية ضخمة تضرب الاقتصادات العربية
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يطلق ناقوس الخطر مشيراً إلى أن الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي دخلت أسبوعها الخامس، قد تلحق خسائر فادحة بالاقتصادات العربية. تشير التقديرات إلى أن حجم الخسائر قد يتراوح بين 3.7% و6% من الناتج المحلي الإجمالي المجمع للمنطقة، أي ما يعادل 120 إلى 194 مليار دولار. هذه الأرقام تتجاوز بكثير النمو الاقتصادي الذي شهدته المنطقة العام الماضي، مما يمثل انتكاسة اقتصادية واجتماعية خطيرة.
تؤكد التحليلات أن هذه الأزمة العسكرية قد تزيد معدلات البطالة بواقع 4 نقاط مئوية، مما يعني فقدان ما يقرب من 3.6 ملايين وظيفة. كما أن هناك مخاوف من دفع ما يصل إلى 4 ملايين شخص إضافي تحت خط الفقر. هذه الأرقام المقلقة تسلط الضوء على الهشاشة الهيكلية التي تعاني منها اقتصادات المنطقة، والتي تجعلها عرضة لتأثيرات عميقة وطويلة الأمد حتى من الصراعات العسكرية القصيرة.
ناقوس الخطر يدق: دعوة لإعادة تقييم الاستراتيجيات الاقتصادية
أطلق عبد الله الدردري، الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في البرنامج، تحذيرات صارمة حول خطورة الأزمة. وأوضح الدردري أن هذه الانتكاسة الاقتصادية تدق “ناقوس الخطر” أمام دول المنطقة، داعياً إياها إلى إعادة تقييم شاملة لخياراتها الاستراتيجية في مجالات السياسات المالية والقطاعية والاجتماعية. وأضاف أن هذه النتائج تؤكد بشكل قاطع الحاجة الماسة لتعزيز التعاون الإقليمي بهدف تنويع الاقتصادات.
وشدد الدردري على ضرورة الابتعاد عن الاعتماد المفرط على النمو المدفوع بالهيدروكربونات (النفط والغاز)، وتوسيع القواعد الإنتاجية، وتأمين سلاسل التجارة والخدمات اللوجستية. كما أكد على أهمية توسيع الشراكات الاقتصادية بين الدول العربية للحد من التعرض للصدمات والنزاعات المحتملة، وتعزيز المرونة الاقتصادية العامة.
خسائر متفاوتة: دول الخليج والمشرق الأكثر تضرراً
اعتمد تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على نموذج لقياس حجم الاضطرابات الناجمة عن صراع يستمر لأربعة أسابيع. تركز التحليل على قنوات تأثير محتملة تشمل ارتفاع تكاليف التجارة، والخسائر المؤقتة في الإنتاجية، وتأثيرات تراجع رأس المال. تم تطوير خمسة سيناريوهات مختلفة، تتراوح من اضطراب متوسط تزيد فيه تكاليف التجارة عشرة أضعاف، إلى سيناريو اضطراب شديد للغاية مع صدمة في أسواق الطاقة، حيث تتضاعف التكاليف مئة مرة ويتوقف إنتاج الهيدروكربونات.
وأشار البرنامج إلى أن الخسائر الاقتصادية لن تكون موزعة بالتساوي عبر الأقاليم العربية. من المتوقع أن تتركز أكبر الخسائر الاقتصادية الكلية في دول مجلس التعاون الخليجي وبلدان المشرق. تقدر نسبة الخسارة في الناتج المحلي الإجمالي للخليج ما بين 5.2% و8.5%، بينما تتراوح في المشرق بين 5.2% و8.7%. ويعزى هذا التأثير الكبير إلى شدة تعرض هذه الدول لاضطرابات التجارة وتقلبات أسواق الطاقة، وما يصاحب ذلك من تراجع في الإنتاج، الاستثمار، والتجارة.
وستتفاقم الزيادات في مستويات الفقر بشكل أكبر في المشرق والدول العربية الأقل نمواً. في هذه المناطق، تكون مستويات الهشاشة الأساسية أعلى، مما يجعل التأثيرات السلبية للصدمات أكثر حدة على رفاه السكان. وعلى الرغم من أن التداعيات على شمال أفريقيا قد توصف بأنها “متوسطة”، إلا أنها لا تزال كبيرة من حيث الحجم الإجمالي. يتوقع أن يشهد المشرق وحده ارتفاعاً في نسبة الفقر بنحو 5%، مما يدفع بين 2.85 مليون و3.30 ملايين شخص إضافي تحت خط الفقر، وهو ما يمثل أكثر من 75% من الزيادة الإجمالية المتوقعة للفقر على مستوى المنطقة العربية.
بالإضافة إلى التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المباشرة، توقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أيضاً تراجعاً في مؤشر التنمية البشرية للمنطقة. من المتوقع أن ينخفض هذا المؤشر بنسبة تتراوح بين 0.2% و0.4%، وهو ما يعادل انتكاسة في التقدم التنموي تتراوح ما بين نصف عام وعام كامل.
ماذا بعد؟
يظل التحدي الأكبر هو مراقبة تطورات الصراع وتأثيره المستمر على تدفقات التجارة وأسواق الطاقة. ستكون قدرة دول المنطقة على تنفيذ إصلاحات هيكلية وتنويع اقتصاداتها حاسمة في تخفيف حدة الصدمات المستقبلية.

