تأثير الحرب على الأسواق اللبنانية: قلق متصاعد وتقلبات اقتصادية

يواجه المواطن اللبناني، أبو عفيف الدهني، يومه في بيروت بقلق متزايد، حيث تتسلل الحرب تدريجياً إلى تفاصيل الحياة اليومية، محوّلة بسطة الخضروات التي يعتاش منها إلى مساحة مفتوحة على كل الاحتمالات. تصريحاته للجزيرة نت تكشف عن عدم استقرار الأسعار وصعوبة توقع الغد، مؤكداً أن مصير الطرقات والجسور بات يحدد إمكانية وصول الناس إلى أعمالهم ويسهم في ارتفاع الأسعار.

وتعكس الأرقام على بسطته تقلبات حادة في الأسعار، حيث انخفض سعر الخيار والبندورة بشكل ملحوظ، بيد أن أبو عفيف يصف هذا الوضع بـ”الجيد” ولكنه مؤقت، مرهون بالظروف المتغيرة.

رقابة غائبة وتخوفات جدية

في ظل هذا المشهد، يعرب إبراهيم منصور، صاحب “أفران منصور”، عن قلقه بشأن تأمين الطحين والقمح، خاصة مع تعثر تفريغ البواخر في مرفأ بيروت. رغم تطمينات التجار بتوفر الطحين، يبقى الشك حاضراً حول استمرارية الإمدادات. في حين يحافظ الفرن على أسعاره الحالية لربطة الخبز، يبقى هذا الاستقرار هشاً ومعرضاً للتغير مع أي ارتفاع في التكاليف أو انقطاع في المواد.

من جهته، ينتقد نصرالدين أبو ضهر غياب الرقابة الفعالة على الأسعار، مشيراً إلى أن سعر كيلو اللحم قد وصل إلى نحو 14.5 دولاراً، وهو ما يفوق قدرة الكثيرين. ويعزو أبو ضهر هذا الارتفاع إلى ضعف الإقبال وليس لضغط استثنائي في السوق، حيث تراجعت حركة الشراء بشكل كبير، متسارعاً مع حلول شهر رمضان.

ربح معدوم وتآكل القدرة الشرائية

داخل محلات بيع الملابس، يتحدث أبو علي عن تراجع صادم في المبيعات بلغ 99% مقارنة بالعام الماضي، نتيجة للضغوط الاقتصادية والحرب التي دفعت بالكماليات إلى خارج حسابات الناس. ورغم تخفيضات تصل إلى 50%، تبقى الحركة ضعيفة، ويعلق أبو علي قائلاً: “الله يكون بعون العالم… الناس تعبانة كثير”.

أما في سوق الحلويات، فيروي محمود السلطاني قصة مريرة عن تراجع المبيعات، حيث يضطر أحياناً للبيع برأس المال فقط. يشير السلطاني إلى أن هامش الربح يكاد يكون معدوماً، وأن الحرب تركت آثارها العميقة على مختلف مناحي الحياة.

صدمة الأسواق وسلاسل الإمداد

تشير الخبيرة الاقتصادية باتريسيا جلاد إلى أن الأسواق شهدت صدمة قوية منذ اندلاع الحرب، حيث سارع المواطنون لتخزين المواد الغذائية الأساسية، مما أدى إلى فراغ رفوف المتاجر مؤقتاً. في المقابل، شهدت المواد الكمالية تراجعاً في الطلب، مما تسبب في جمود جزئي لحركة الأسواق.

وتؤكد وزارة الاقتصاد ونقابة مستوردي المواد الغذائية عدم وجود خطر نقص في المواد الأساسية، إذ تم استيراد كميات تكفي لأربعة أشهر، مع استمرار عمليات الاستيراد لضمان استمرار سلاسل الإمداد. وتعود استمرارية الإمدادات إلى عدم إقفال مرفأ ومطار بيروت.

التضخم وأثر النفط

يبقى التضخم مصدر القلق الأكبر، فقد ارتفع سعر برميل النفط إلى 110 دولارات، مما انعكس على أسعار المحروقات وزاد من تكاليف النقل والمواد الغذائية. وترى جلاد أن هذه العوامل مجتمعة ساهمت في تراجع القدرة الشرائية وبطء حركة الأسواق، رغم استقرار سلاسل الإمداد.

ماذا بعد؟

تستمر الحرب في إعادة تشكيل الاقتصاد اللبناني يوماً بعد يوم. وبينما تطمئن الجهات الرسمية بخصوص توفر المواد الأساسية، يبقى القلق بشأن استمرار تقلبات الأسعار وتأثير التضخم على القدرة الشرائية للمواطنين، بالإضافة إلى المخاوف المتزايدة حول استقرار الوضع الأمني وتأثيره على المدى الطويل.

شاركها.
Exit mobile version