كشف تقرير حديث لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) عن عودة أسعار الغذاء العالمية إلى الارتفاع خلال شهر مارس/آذار الماضي، بعد سبعة أشهر من الاستقرار. يأتي هذا الارتفاع مدفوعًا بتداعيات الحرب المستمرة وتأثيرها على سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
وسجل مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء، الذي يرصد التغيرات الشهرية في أسعار سلة من السلع الغذائية الأساسية، زيادة بنسبة 2.4% في شهر مارس. وقد تأثر هذا الارتفاع بشكل ملحوظ بزيادة أسعار منتجات رئيسية مثل الحبوب والزيوت والسكر، مما يثير قلق الدول المستوردة والمستهلكين على حد سواء.
الطاقة في قلب أزمة أسعار الغذاء
أشارت منظمة الأغذية والزراعة في تقريرها إلى أن العامل المشترك وراء الزيادات المسجلة في أسعار العديد من السلع الغذائية هو الارتفاع المتواصل في تكاليف الطاقة. فقد أدت التوترات الجيوسياسية وتعطيل الإمدادات الحيوية عبر مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي استراتيجي، إلى ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات. هذا الارتفاع في أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على تكاليف إنتاج الغذاء ونقله وتوزيعه.
كما لفت التقرير إلى التأثير الكبير لتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز على سوق الأسمدة العالمية، حيث يمر حوالي 30% من تجارة الأسمدة العالمية عبر هذا المضيق. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف الأسمدة، بالتالي زيادة أعباء الإنتاج الزراعي على المزارعين حول العالم، وانعكاسها على أسعار المنتجات الزراعية المباشرة.
ارتفعت أسعار القمح بشكل ملحوظ بنسبة 4.3%، ويعزى هذا الارتفاع إلى تقلص المساحات المزروعة، والذي يرتبط بدوره بارتفاع تكاليف الأسمدة. وبالمثل، شهدت أسعار الزيوت النباتية قفزة كبيرة تجاوزت 5.1%، لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022، مما يزيد من تكلفة سلعة أساسية في العديد من المطابخ العالمية.
كما زادت أسعار السكر بأكثر من 7.2%، مدفوعة بقرار البرازيل، أحد أكبر منتجي السكر في العالم، بتحويل جزء من محاصيل قصب السكر لديها نحو إنتاج وقود الإيثانول، مما قلل من المعروض المخصص للاستهلاك الغذائي. وشهدت منتجات الألبان ارتفاعًا بنسبة 1.2% نتيجة لتراجع المعروض، لا سيما من نيوزيلندا وأستراليا. أما أسعار اللحوم فقد ارتفعت بنسبة 1%، متأثرة بانخفاض أعداد الماشية.
حذرت منظمة الأغذية والزراعة من أن استمرار الصراع وتداعياته على سلاسل الإمداد والطاقة لفترة طويلة قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط على أسعار الغذاء ليس فقط خلال ما تبقى من العام الحالي، بل يمتد ليشمل العام المقبل. وتشير هذه التوقعات إلى احتمال زيادة معدلات التضخم عالميًا، مما يزيد من العبء الاقتصادي على الدول والأفراد.
في ظل هذه المعطيات، تتزايد المخاوف من ارتفاع أعداد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي والجوع في العالم. إذ تضع موجة الغلاء المتصاعدة ضغوطًا كبيرة على الاقتصادات المتعثرة والأسر ذات الدخل المحدود، في وقت تبدو فيه تداعيات الأحداث الجيوسياسية مرشحة لمزيد من التمدد والتأثير على الأسواق العالمية، مما يضعف الجهود المبذولة لتحقيق الأمن الغذائي المستدام.
ستراقب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية عن كثب تطورات إمدادات الطاقة وحركة التجارة عبر مضيق هرمز، إضافة إلى القرارات المستقبلية التي قد تتخذها الدول المنتجة للسلع الغذائية وتأثيرها على الأسواق. وتبقى قدرة الاقتصاد العالمي على استيعاب هذه الصدمات المتجددة، والجهود المبذولة لتخفيف آثارها على الفئات الأكثر ضعفاً، هي النقاط الرئيسية التي تستدعي الانتباه خلال الأشهر القادمة.

