قبل حلول شهر رمضان المبارك، يواجه سكان قطاع غزة أزمة سيولة غير مسبوقة، حيث أصبح الحصول على ورقة نقدية صالحة للتداول أمراً في غاية الصعوبة، إذ يمنع الاحتلال الإسرائيلي إدخال أوراق نقدية جديدة منذ بداية الحرب، مما شلّ عمل البنوك وحوّل الأرصدة المصرفية إلى مجرد أرقام جامدة.
تُعد أزمة السيولة في غزة، التي تفاقمت مع استمرار منع إدخال النقد الجديد، مشكلة اقتصادية عميقة تؤثر على الحياة اليومية للمواطنين والتجار على حد سواء. وقد أدت هذه الأزمة إلى ظهور ظواهر غير مسبوقة، مثل “بسطات الترميم” للعملات التالفة، وتفاقم الأعباء على الاقتصاد المحلي.
تحديات السيولة النقدية في قطاع غزة
في مدينة خان يونس، يعاني المواطنون من عدم قدرة البنوك على تنفيذ أي عمليات سحب أو إيداع نقدي، حيث تقتصر خدماتها على المعاملات الإدارية المحدودة. هذا الواقع يجبر السكان على الاعتماد بشكل كبير على التطبيقات البنكية، لكن التعاملات الإلكترونية وحدها لا تكفي لسد حاجة السوق المحلية التي تعتمد بشكل أساسي على الدفع النقدي، خاصة مع انتشار الأسواق الشعبية والبسطات.
بسطات الترميم: حل بدائي لأزمة نقدية
أدت القيود المفروضة على إدخال النقد الجديد إلى تداول أوراق نقدية مهترئة وممزقة، مما دفع بعض المواطنين إلى ابتكار حلول بدائية. فقد ظهرت “بسطات” متخصصة في ترميم العملات التالفة، حيث يقوم أفراد بلصق الأوراق الممزقة أو تدعيمها بمواد لاصقة، في محاولة لإطالة عمرها التداولي بعد أن رفض كثير من التجار تسلمها.
ويشير مراسل الجزيرة من مدينة غزة إلى أن هذه الأزمة تتفاقم للعام الثالث على التوالي، مما أدى إلى ضغط هائل على الكتلة النقدية المتداولة. المواطنون يصطفون أمام فروع البنوك أملاً في الحصول على سيولة، لكن البنوك لا تزال تقتصر على العمليات الورقية والإدارية دون أي حركة نقدية فعلية.
كما يضطر الكثيرون ممن يتلقون حوالات من أقاربهم في الخارج إلى دفع نسب مرتفعة لتحويل هذه الأموال إلى نقد، مما يعني خسارة جزء من المبلغ قبل وصوله إليهم.
القطاع المصرفي الأكثر تضرراً
يصف الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر القطاع المصرفي بأنه من أكثر القطاعات تضرراً خلال الحرب، حيث تُقدر تكلفة إعادة إعمار البنية المالية بأكثر من 42 مليون دولار. وتفاقمت القيود على الحوالات بشكل ملحوظ، إذ تُرفض تحويلات عديدة أو تُقيّد حسابات مصرفية لأسباب تتعلق بمصادر الأموال، مما يعقد وصول الدعم العائلي.
وتُقدر خسائر الأصول الائتمانية والنقدية بأكثر من 325 مليون دولار خلال عامين، وهو رقم يعكس حجم الضرر الواقع على الدورة المالية في اقتصاد يعاني أصلاً من انكماش حاد. يؤكد أبو قمر أن منع إدخال السيولة يتعارض مع اتفاقية باريس الاقتصادية، التي تلزم بإدارة النقد وإدخال الكميات اللازمة إلى الأراضي الفلسطينية.
وبسبب غياب الضخ النقدي الرسمي، تشكلت سوق سوداء تتحكم بأسعار “الكاش” وترفع تكلفة الحصول عليه، مما يزيد الأعباء على المستهلكين والتجار. كما أن القيود على إدخال الأموال نقداً للعائدين، بحد أقصى ألف دولار، تمنع أي ضخ فردي يمكن أن يخفف من الأزمة، في ظل سياسة تهدف عملياً إلى سحب الكتلة النقدية من السوق.
يُتوقع أن تستمر هذه الأزمة ما لم يتم السماح بإدخال أوراق نقدية جديدة، وتتوقف القيود المفروضة على الحوالات والتحويلات المصرفية. يبقى التحدي الأكبر هو مدى استجابة الجهات المعنية لإنقاذ الاقتصاد المحلي ورفع المعاناة عن السكان.

