مريء باريت: مفتاح الكشف المبكر عن سرطان المريء الغدي

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة كامبريدج البريطانية عن علاقة وثيقة ومهمة بين مريء باريت وسرطان المريء الغدي، مما قد يفتح آفاقًا جديدة للكشف المبكر عن هذا النوع القاتل من السرطان. مريء باريت، وهو حالة تتغير فيها بطانة المريء السفلية، ظلت لغزًا محيرًا للعلماء لعقود، حيث كان اختفاء خلاياها في حالات السرطان المتقدمة مصدر تساؤل دائم، رغم تأكيد ارتباطها بنشوء المرض.

الدراسة، التي نُشرت في مجلة “نيتشر”، قدمت أدلة قوية تدعم اعتبار مريء باريت علامة تنبؤية مبكرة لسرطان المريء الغدي. تعد البروفيسورة ريبيكا فيتزجيرالد، وهي طبيبة وباحثة بارزة في مجال الوقاية من السرطان، قائدة هذا البحث الهام.

مسارات نشوء سرطان المريء الغدي

افترض الباحثون وجود مسارين محتملين لنشأة خلايا سرطان المريء: الأول يرى أن المرض قد ينشأ سواء بوجود مريء باريت أو دونه، مما يشير إلى تباين في العوامل الجينية وعوامل الخطورة. أما المسار الثاني فيطرح احتمال وجود نقطة بداية واحدة مشتركة، مما يدعم فرضية أن مريء باريت هو المسار الأساسي لتطور هذا النوع من السرطان.

نتائج الدراسة: دعم مسار واحد

أظهرت التحليلات الجينومية للخلايا السرطانية في الدراسة عدم وجود فروقات جينية بين الحالات التي ظهرت فيها خلايا باريت والحالات التي لم تظهر فيها. هذا التشابه يدعم بقوة فرضية أن مريء باريت يمثل نقطة الانطلاق الرئيسية لسرطان المريء الغدي. المفاجأة كانت أن 35% فقط من المرضى أظهرت فحوصاتهم وجود مريء باريت، بينما كانت النتائج سلبية لـ 65%، خاصة في الحالات المتقدمة.

لتفسير هذا التناقض، اكتشف الباحثون بروتينات TFF3 وREG4 الموجودة في خلايا المريء حتى قبل تطور السرطان. يشير وجود هذه البروتينات إلى أن الخلايا السرطانية قد “تلتهم” خلايا باريت وتدمرها مع نموها وانتشارها، مما يفسر اختفاء آثارها في المراحل المتقدمة من المرض. أكدت الدكتورة شهريار زماني، إحدى الباحثات الرئيسيات، أن سرطان المريء الغدي يتبع مسارًا واحدًا عبر خلايا باريت، مما يجعل محاربة وعلاج مريء باريت سبيلاً هامًا للوقاية. كما أشارت الدراسة إلى أن بروتينات TFF3 وREG4 قد تكون مؤشرات حيوية واعدة للكشف المبكر عن احتمالية الإصابة بالسرطان.

دراسات سابقة وتأكيد الرابط

تستكمل هذه الدراسة نتائج أبحاث سابقة، بما في ذلك دراسة نشرتها نفس البروفيسورة فيتزجيرالد في مجلة “ساينس” عام 2021. كشفت تلك الدراسة عن سلسلة من التغيرات في خلايا الجزء العلوي من المعدة، والتي تتحول تدريجيًا إلى خلايا باريت، ثم قد تبدأ في التكاثر السرطاني. ورغم أن الدراسة السابقة لم تفسر اختفاء دليل مريء باريت، إلا أنها أكدت دوره كوسيط حتمي في تطور سرطان المريء الغدي. اعتمدت تلك الأبحاث على تحليل عينات نسيجية وتقنيات تحليل جيني، وأظهرت تشابهاً بين أنسجة المعدة وخلايا باريت، وأن جميع خلايا سرطان المريء الغدي تبدأ من خلايا معدية تخضع لطفرات جينية.

ما هو مريء باريت ومخاطره؟

يُعد مريء باريت حالة مرضية تصيب حوالي 0.8% من سكان العالم، حيث تتغير بطانة المريء السفلية إلى أنسجة تشبه خلايا الأمعاء. وعلى الرغم من أنه ليس سرطاناً في حد ذاته، إلا أن أقل من 5% من المصابين به قد تتطور لديهم الحالة إلى سرطان المريء الغدي، مما يزيد من أهميته الطبية.

السبب الرئيسي: الارتجاع المزمن

يعتبر الارتجاع المعدي المريئي المزمن السبب الرئيسي لمريء باريت، حيث يتعرض المريء باستمرار لأحماض المعدة، مما يؤدي إلى تهيج وتغير خلايا المريء إلى خلايا شبيهة بخلايا الأمعاء.

هل يمكن تجنب مريء باريت؟

يمكن تقليل خطر الإصابة بمريء باريت من خلال معالجة الأسباب المؤدية إليه. تشير دراسة يابانية واسعة إلى عوامل مرتبطة بزيادة خطر الإصابة، منها: الارتجاع المعدي المريئي، فتق الحجاب الحاجز، أمراض الكبد، وبعض الأدوية. يزداد خطر الإصابة لدى الرجال وبين الفئات العمرية الأكبر سنًا.

ماذا بعد؟

تبقى هناك حاجة لمزيد من الأبحاث لتحديد العلاجات الأكثر فعالية لمريء باريت، ولمعرفة ما إذا كانت بروتينات TFF3 وREG4 ستصبح أدوات تشخيصية روتينية. كما أن دراسة الارتباطات الجغرافية والعرقية بمريء باريت، وفهم الفروقات بين أنواعه المختلفة، ستظل مجالات بحثية مهمة في المستقبل.

شاركها.
Exit mobile version