كشفت التطورات الأخيرة في التوترات الجيوسياسية، لا سيما الحرب التي اندلعت مؤخرًا على إيران بقيادة الولايات المتحدة، عن مدى هشاشة الترابط في سلاسل إمداد الأدوية العالمية. يمكن لضربة صاروخية واحدة أن تعطل هذه السلاسل الحيوية، مما يؤدي إلى نقص في الإمدادات الطبية الأساسية، كما حدث مع نقص المحاليل الوريدية في بانكوك وأدوات القسطرة في بروكسل.
يبدأ هذا التأثير المتسلسل من إغلاق محتمل لمضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي يمر عبره حوالي ربع صادرات النفط والغاز العالمية، مما يمثل 25% من النفط المنقول بحرًا. إن أي اضطراب في هذا المضيق له تداعيات واسعة النطاق على مختلف القطاعات، بما في ذلك قطاع الصحة.
تأثير الأزمة على سلاسل إمداد الأدوية
يُعد النفط والغاز المصدر الرئيسي للبتروكيماويات، وهي مواد أساسية تدخل في تصنيع معظم الأدوية والبوليمرات المستخدمة في إنتاج المستلزمات الطبية. علاوة على ذلك، تشكّل ممرات العبور في الشرق الأوسط ما بين 10% و20% من التجارة الدوائية العالمية. هذا الارتباط الوثيق بين الطاقة والصناعات الدوائية يجعل سلاسل الإمداد عرضة للتأثر بالصراعات في المنطقة.
تُعد دول الخليج العربي، بما في ذلك عُمان وقطر والبحرين والسعودية والإمارات والكويت، نقطة عبور محورية لتوزيع الأدوية عالميًا. تربط هذه الدول بين أفريقيا وآسيا وأوروبا والهند والولايات المتحدة، وتقدر قيمة الصناعات الدوائية فيها بـ 23.7 مليار دولار. تصل نسبة 80% من الأدوية المستوردة إلى هذه الدول عبر مضيق هرمز أو المجال الجوي الخليجي، مما يجعلها منطقة حساسة للغاية لحركة التجارة الدوائية.
الأدوية الأكثر تضررًا
تُعد الأدوية الحساسة لدرجات الحرارة من بين الأكثر عرضة لخطر التلف بسبب أي اضطرابات في سلاسل الإمداد. أدوية مثل علاجات السرطان، واللقاحات، والأنسولين تتطلب ظروف تخزين وتبريد دقيقة، تتراوح بين 2 درجة مئوية و8 درجات مئوية للحفاظ على صلاحيتها وفعاليتها. عرقلة حركة الشحن، وبقاء السفن عالقة لأيام في المضيق، يمكن أن يؤدي إلى تلف هذه الأدوية، مما يتسبب في نقصها في الأسواق وارتفاع أسعارها، ويعطل الأنظمة الصحية التي تعتمد عليها.
تأثر القدرات التشخيصية عبر أجهزة MRI
لم يقتصر تأثير الحرب على إمدادات الأدوية فحسب، بل امتد ليشمل المعدات الطبية الحيوية. الضربات الصاروخية التي استهدفت إيران أثرت بشكل غير مباشر على منشآت إنتاج الغاز في قطر، بما في ذلك مرافق إنتاج الهيليوم، حيث تعد قطر ثاني أكبر منتج عالمي له بنسبة تقارب 33%. يُستخدم الهيليوم السائل كمبرد أساسي في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، نظرًا لخصائصه الفريدة كوحدة باردة جدًا.
مع تضرر أحد أكبر موردي الهيليوم عالميًا، من المتوقع حدوث انخفاض في الإمدادات وارتفاع في الأسعار. قد يواجه المستشفيات والمراكز الصحية تحديات في صيانة وتشغيل أجهزة MRI بكفاءة، مما يؤثر على جودة الخدمات التشخيصية التي يعتمد عليها ملايين الأشخاص سنويًا. يُذكر أن حوالي 50 ألف جهاز MRI قيد الاستخدام عالميًا، ويتم تركيب ما يقارب 5 آلاف جهاز جديد كل عام.
المسكنات والأدوية الشائعة تحت الضغط
تعتمد العديد من الأدوية الشائعة، مثل مسكنات الألم مثل الباراسيتامول والإيبوبروفين، على مواد أولية كيميائية مشتقة من النفط، أبرزها البروبيلين. عند إغلاق مضيق هرمز أو تأخر وصول الإمدادات من هذه المواد الخام، يرتفع الطلب عليها بشكل ملحوظ.
بالإضافة إلى ذلك، يؤدي ارتفاع أسعار النفط وزيادة تكاليف الشحن والتأمين إلى رفع تكلفة إنتاج هذه الأدوية، حتى وإن كانت منخفضة السعر في الأساس. ينعكس هذا على سلاسل الإمداد، مما يزيد من أسعار الأدوية في الأسواق، خاصة تلك التي كانت تعاني من نقص مسبق، ويفاقم الأزمة ويزيد من صعوبة الوصول إليها.
تحذيرات منظمة الصحة العالمية
رغم أن شركات الأدوية الكبرى تحتفظ بمخزون كافٍ لعدة أشهر، فإن استمرارية الحرب وإغلاق المضائق يمكن أن تؤدي في النهاية إلى نفاد الأدوية من بعض الأسواق العالمية. في ظل التطورات المتسارعة، حذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، من الآثار الخطيرة للحرب على القطاع الصحي عالميًا.
أشار غيبريسوس إلى أن سلاسل إمداد الأدوية قد تتعرض لضغوط كبيرة نتيجة ارتفاع الطلب، مدفوعًا بتدهور الأوضاع الصحية في الدول المتأثرة ومحيطها. كما نبه إلى أن تدمير المنشآت النفطية قد يؤدي إلى تلوث البيئة، مما يزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة. دعا إلى تحرك عاجل للحد من هذه المخاطر قبل تفاقمها.
ماذا بعد؟ تتوقف استجابة الأزمة على تطورات الحرب واحتمالية تخفيف التوترات في مضيق هرمز. ستحتاج الدول والمؤسسات الصحية إلى مراقبة سلاسل الإمداد عن كثب، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، واستكشاف مسارات توريد بديلة لضمان استمرارية توفير الأدوية والمعدات الطبية الحيوية.


