تتفاقم التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية، حيث يؤدي اضطراب الملاحة في مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وبالتالي زيادة تكاليف النقل والشحن والتأمين، مما يغذي التضخم العالمي ويحد من توقعات النمو الاقتصادي، وفقًا لصندوق النقد الدولي. وقد أظهرت التحليلات أن تأثير هذه الحرب يتفاوت بشكل ملحوظ بين الدول، حيث تشهد أوروبا وآسيا اضطرابات اقتصادية أعمق مقارنة بول ستريت في نيويورك.

يعود هذا الاختلاف في التأثير بشكل كبير إلى التركيز المتزايد لبورصة وول ستريت على قطاع التكنولوجيا، وخاصة الاستثمارات الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي. في المقابل، تظل الأسواق الأوروبية والآسيوية أكثر عرضة للصدمات المباشرة المرتبطة بتكاليف الطاقة والنقل. يبرز الارتباط الوثيق بين أداء هذه البورصات والتطورات في مجال الابتكار التكنولوجي، مما يمنحها درجة من المرونة في مواجهة الأزمات الجيوسياسية.

الارتباط بالذكاء الاصطناعي

قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط بشهر، بدأ مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأمريكي في الانخفاض وسط مخاوف المستثمرين بشأن العائد المتوقع من الاستثمارات الضخمة في تطوير الذكاء الاصطناعي. خلال شهري فبراير ومارس، تزامن بيع أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مع بدء الحرب، مما أدى إلى تراجع المؤشر بنحو 8%، وفقًا لوكالة بلومبيرغ.

تشير تقارير بلومبيرغ إلى أن حوالي 60% من هذا التراجع يعود إلى عشرين شركة تعمل في مجالات الذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية. بينما ارتبطت النسبة المتبقية، 40%، بأربعة قطاعات أخرى، منها القطاع الصناعي الذي يتأثر مباشرة بتداعيات الحرب. في المقابل، تواجه القطاعات المالية والصحية والتكنولوجيا (باستثناء الذكاء الاصطناعي) مخاطر أقل مباشرة.

بشكل لافت، شهدت مؤشرات بورصة نيويورك ارتفاعًا ملحوظًا في شهر أبريل، على الرغم من استمرار الحرب. ويعزو بعض المحللين هذا الارتفاع إلى التأكيدات الرئاسية الأمريكية حول التوجه نحو إنهاء الصراع مع إيران والتوصل إلى اتفاق.

تراجع المخاوف

ساهمت نصائح مديري مؤسسات مالية كبرى، مثل غولدمان ساكس ومورغان ستانلي وجي بي مورغان تشيس، للمستثمرين بشراء أسهم شركات الذكاء الاصطناعي والتأكيد على قدرتها على تحقيق الأرباح، في تخفيف المخاوف بشأن الاستثمار في هذا القطاع. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع مؤشر ستاندرد آند بورز بشكل ملحوظ، بغض النظر عن مستجدات الحرب.

تشهد البورصة الأمريكية الآن إقبالاً على أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، ومن المتوقع أن تساهم شركات التكنولوجيا الكبرى بنحو 70% من نمو إيرادات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 خلال الـ12 شهرًا القادمة، وفقًا لتقديرات بلومبيرغ. وتشير هذه التقديرات إلى نمو متوقع للمؤشر بنسبة 20% في نفس الفترة.

يصف الكاتب نير كايسار في مقال بلومبيرغ السوق الأمريكية بأنها “تتجاهل” الحرب الإيرانية، نظرًا لاعتمادها الكبير على شركات التكنولوجيا، وخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو ما قد ينطوي على مخاطر جديدة ولكنه بعيد نسبيًا عن التطورات المباشرة للصراع.

صورة مختلفة في أوروبا وآسيا

يشير خبير الاقتصاد الدولي زياد الهاشمي إلى أن بورصة نيويورك تتعامل مع الحرب الإيرانية واضطراب مضيق هرمز كـ “صدمة جيوسياسية قابلة للاحتواء”. هذا المنظور، مدعومًا بأداء شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ساهم في تعزيز التوقعات الإيجابية للمؤشرات الأمريكية.

على النقيض، تستفيد بعض شركات الطاقة الأمريكية من أزمة مضيق هرمز، خاصة مع زيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال بأسعار مرتفعة. هذا التباين في الاعتماد على مصادر الطاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا يوضح الفروقات في التأثيرات الاقتصادية للحرب.

تتأثر أوروبا بشكل أكبر بتداعيات الحرب، وفقًا للهاشمي، بسبب صدمة الطاقة، ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف الشحن وسلاسل التوريد، مما أدى إلى تفاقم التضخم وزيادة الديون العامة. ونتيجة لذلك، كان أداء الأسهم الأوروبية أضعف من نظيرتها الأمريكية خلال فترة الحرب.

ضغوط على اقتصادات آسيا

تتشابه الاقتصادات الناشئة في آسيا مع أوروبا في تعرضها لصدمة الطاقة، لكن حساسيتها أكبر لتعطل الملاحة في مضيق هرمز نظرًا لاعتمادها الكبير على تدفقات النفط والغاز من الخليج. يمر حوالي 50% من واردات آسيا النفطية وثلث وارداتها من الغاز الطبيعي عبر هذا المضيق، مما يجعلها أكثر عرضة لتأثيرات الحرب.

تواجه هذه الاقتصادات ضغوطًا متعددة تشمل تكلفة تمويل ارتفاع أسعار الطاقة، ضعف العملات المحلية، وارتفاع قيمة الدولار. كل هذه العوامل تزيد من تكاليف الإنتاج وتؤثر سلبًا على أداء الأسهم الآسيوية.

تحد الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الطاقة من قدرة البنوك المركزية في آسيا على خفض أسعار الفائدة، مما يدفعها نحو رفع تكاليف الاقتراض. كما تضطر حكومات هذه الدول إلى إنفاق مئات المليارات لتخفيف أعباء ارتفاع أسعار الطاقة على الأسر، مما قد يزيد هذه الأرقام.

في ظل هذه التحديات، قلص صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصادات الناشئة والنامية من 4.2% إلى 3.9% في شهر أبريل. يبقى السؤال ما إذا كانت هذه التأثيرات ستتفاقم أو تتراجع مع تطورات الصراع والسيناريوهات الاقتصادية المستقبلية.

شاركها.
Exit mobile version