في ظل تزايد الوعي بمخاطر السكر، أصبح الكثيرون يسعون جاهدين لتقليل استهلاكهم منه، سواء بالبحث عن بدائل صحية أو بمحاولة تجنب الأطعمة الغنية به. ومع ذلك، يظل السكر يتسلل إلى نظامنا الغذائي بطرق خفية، وغالبًا ما نجد أنفسنا غير قادرين على مقاومة بعض الأطعمة التي تحتوي عليه بكميات كبيرة. هذا يدفعنا إلى التساؤل: هل هناك فرق حقيقي بين تناول السكر في الطعام الصلب مقارنة بشربه في المشروبات؟ وهل يؤثر ذلك على صحتنا بشكل مختلف؟
يُعَدّ فهم طبيعة السكر وتأثيره على أجسادنا أمرًا جوهريًا. يمتص الجسم السكر الطبيعي الموجود في الفواكه ببطء نسبيًا بفضل احتوائه على الألياف والعناصر الغذائية الأخرى، مما يساعد في منع الارتفاعات الحادة في مستويات سكر الدم. على النقيض من ذلك، لا يقدم السكر المضاف أي قيمة غذائية تُذكر، ويتسبب في ارتفاع سريع ومفاجئ في مستويات سكر الدم.
لا تقتصر رغبتنا المتكررة في تناول السكر على مذاقه الحلو فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيره على الدماغ. ينشط السكر نظام المكافأة والتحفيز في الدماغ، مما يؤدي إلى رفع مستوى هرمون الدوبامين حتى قبل وصوله إلى المعدة. هذه الاستجابة تزيد من الشعور بالمتعة اللحظية وتحفزنا على تكرار السلوك، مما يجعل الأطعمة الغنية بالسكر محبوبة ويصعب التخلي عنها. وتوصي منظمة الصحة العالمية بألا يتجاوز استهلاك السكر للفرد 50 جرامًا يوميًا، بينما يتجاوز المعدل العالمي حوالي 90 جرامًا.
ما الذي يفعله السكر بدماغنا.. ولماذا لا نقاومه؟
إن الآلية التي يعالج بها الجسم السكر المضاف تختلف جذريًا عن السكر الطبيعي. فبينما يعمل السكر الطبيعي ببطء نسبيًا بفضل الألياف المصاحبة له، مما ينظم امتصاصه ويمنع التقلبات الحادة في سكر الدم، فإن السكر المضاف يفتقر إلى هذه المزايا. هذه السهولة في الامتصاص تجعل السكر المضاف يسبب ارتفاعًا سريعًا في مستويات الجلوكوز في الدم.
تتجاوز آثار السكر مجرد التأثير الفسيولوجي على مستويات السكر في الدم لتصل إلى مستويات عصبية. تنشيط نظام المكافأة في الدماغ وزيادة إفراز الدوبامين يعززان الشعور بالرضا اللحظي، مما يخلق حلقة مفرغة من الرغبة المتجددة في تناول المزيد. هذا التفاعل العصبي هو أحد الأسباب الرئيسية لصعوبة مقاومة الأطعمة الغنية بالسكر، والتي غالبًا ما تصبح مفضلة يصعب الاستغناء عنها.
أيهما أسوأ: السكر في الطعام أم في المشروبات؟
يُجمع الخبراء على أن تقليل الكمية الإجمالية للسكر المستهلك يوميًا هو الهدف الأهم، ولكن عند المقارنة بين مصادر السكر المختلفة، يميل الرأي العام للخبراء إلى اعتبار تناول السكر ضمن الأطعمة الصلبة أقل ضررًا مقارنة باستهلاكه في شكل مشروبات محلاة.
تشير دراسات متعددة إلى أن السعرات الحرارية السائلة، مثل تلك الموجودة في المشروبات الغازية والعصائر المحلاة، لا تُشبع بنفس القدر الذي تشبع به السعرات الحرارية من الطعام الصلب. هذا يعني أنه يمكن استهلاك كمية كبيرة من السعرات الحرارية من خلال المشروبات دون الشعور بالامتلاء، مما قد يؤدي إلى تناول كميات أكبر من الطعام لاحقًا، وعدم تعويض السعرات الحرارية السائلة.
في دراسة نشرت في مجلة “إنترناشيونال جورنال أوف أوبيسيتي”، لاحظ الباحثون أن المشاركين الذين تناولوا 450 سعرة حرارية من الحلوى في شكل طعام تناولوا كميات أقل لاحقًا مقارنة بمن تناولوا نفس القدر من السعرات الحرارية من المشروبات الغازية، حيث استمروا في تناول الطعام بشكل طبيعي. هذا الفارق في الشعور بالشبع يلعب دورًا حاسمًا في إدارة الوزن.
لماذا لا “يعترف” الجسم بالسعرات السائلة؟
تكمن إحدى المشكلات الرئيسية في أن الدماغ لا يعالج السعرات الحرارية السائلة بنفس الطريقة التي يعالج بها السعرات الحرارية الموجودة في الطعام الصلب. فعند تناول تفاحة كاملة، يشعر الجسم بالشبع بشكل أكبر مقارنة بكوب من عصير التفاح يحتوي على كمية مماثلة أو أكبر من السكر. هذا الشعور بالامتلاء الأكبر من الطعام الصلب يعود جزئيًا إلى عملية المضغ التي تستغرق وقتًا طويلاً، مما يمنح الجسم فرصة لإرسال إشارات الشبع.
تعتمد إشارات الشبع على عوامل متعددة، منها تمدد المعدة وإفراز هرمونات معينة. عندما يتم تناول الطعام الصلب، يحدث تمدد للمعدة يسمح بإطلاق هذه الهرمونات التي تنقل رسائل الشبع إلى الدماغ، مما يقلل من هرمون الجوع. أما في حالة المشروبات المحلاة، فإنها تُشرب بسرعة، مرورًا بالجهاز الهضمي دون إحداث التمدد الكافي أو إعطاء الهرمونات الوقت اللازم لإرسال إشارة “الاكتفاء”.
من المهم ملاحظة أن هذا لا ينطبق على جميع السوائل. فالحليب أو الحساء، على سبيل المثال، يمكن أن يكونا أكثر إشباعًا بسبب قوامهما وقيمتهما الغذائية العالية. لكن الحديث هنا يتركز بالدرجة الأولى على المشروبات المحلاة بالسكر المضاف، والتي تفتقر إلى القيمة الغذائية وتُستهلك بسرعة.
أضرار المشروبات المحلاة.. تبدأ مبكرا
تتجاوز الآثار السلبية للمشروبات المحلاة مجرد زيادة الوزن، فهي تحفز أيضًا إفراز الدوبامين في الدماغ، مما يزيد من الرغبة في تناول المزيد من السكر دون الشعور بالشبع. لهذا السبب، تُعد هذه المشروبات من أبرز العوامل التي تعيق نجاح برامج إنقاص الوزن لدى الكثيرين. وبحسب دراسات نشرت في مجلة “ذا لانست”، تلعب المشروبات المحلاة دورًا كبيرًا في انتشار السمنة والأمراض المرتبطة بها.
حتى لو تمكنا من التحكم في إجمالي السعرات الحرارية المستهلكة يوميًا، تبقى مشكلة الارتفاع السريع في مستويات سكر الدم قائمة. تمتص الأمعاء السوائل المحلاة بسرعة ملحوظة، نظرًا لافتقارها إلى الألياف التي تبطئ عملية الامتصاص. هذا الارتفاع الحاد في سكر الدم يمكن أن يؤدي إلى مقاومة الأنسولين، وزيادة خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، بالإضافة إلى إرباك عمليات الأيض في الكبد.
يرتبط الإفراط في استهلاك المشروبات المحلاة أيضًا بارتفاع ضغط الدم، واضطراب مستويات الدهون في الدم، وزيادة تراكم الدهون الحشوية، وهي الدهون التي تحيط بالأعضاء الداخلية وتُعتبر الأخطر صحيًا. والمقلق أن هذه التأثيرات تبدأ في سن مبكرة لدى الأفراد الذين يعتادون تناول هذه المشروبات منذ الطفولة والمراهقة.
لهذه الأسباب، تُعتبر المشروبات الغازية وغيرها من المشروبات المحلاة من أسوأ الخيارات الغذائية التي يمكن إدخالها إلى الجسم. إذا كان التخلي عن السكر تمامًا غير ممكن، فغالبًا ما يكون من الأقل ضررًا استهلاكه في حبة فاكهة أو قطعة حلوى محسوبة السعرات، بدلاً من شربه في كوب من السكر السائل الذي يمر دون أن يشعر به الجسم أو يحسبه صاحبه.
إذا لم تستطع ترك السكر.. فاحذر شربه
من منظور تغذوي وسلوكي، يمكن تلخيص الفارق الأساسي بين تناول السكر في الطعام الصلب واستهلاكه في المشروبات في النقاط التالية:
السكر في الطعام الصلب: يتم استهلاكه ببطء أكبر، ويمنح إحساسًا بالشبع أعلى، ويسهل إدراك كميته وحسابه ضمن الاستهلاك اليومي.
السكر في المشروبات: يُستهلك بسرعة وبكميات كبيرة، لا يُشبع، ولا تسجله أدمغتنا كـ”وجبة”، ويرفع سكر الدم بسرعة، مما يزيد خطر السمنة والسكري ومقاومة الأنسولين.
لذا، إذا كان لا مفر من السكر، فالخيار الأفضل هو أن يكون محسوبًا، وممضوغًا، وموجودًا في طبقك بدلاً من كوبك.
ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ يتجه الخبراء نحو مزيد من التوعية حول مخاطر السكر المضاف، خاصة في المشروبات، وقد نشهد في المستقبل تضييقًا على تسويق هذه المنتجات أو فرض ضرائب عليها. يبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة الأفراد على تبني عادات استهلاكية صحية والتخلي عن السكر السائل.


