هل رش العطر على الرقبة مضر بالغدة الدرقية؟ الخبراء يوضحون
يُعد العطر رفيقًا يوميًا للكثيرين، فهو جزء لا يتجزأ من الهوية ويعزز الثقة بالنفس، وغالبًا ما تُفضل منطقة الرقبة لرشه نظرًا لدفء الجلد فيها وقدرته على إبراز الرائحة. لكن مؤخرًا، انتشرت مخاوف عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول احتمالية تسبب هذه العادة في خطر على الغدة الدرقية. فهل يستند هذا القلق إلى أدلة علمية، أم أنه مجرد تخوفات مبالغ فيها؟
تستند المخاوف من رش العطر على الرقبة إلى احتمال احتواء بعض العطور على مواد كيميائية مثل الفثالات والبارابين والمسك الصناعي، والتي تُصنف بأنها قد تتداخل مع نظام الغدد الصماء. ونظرًا لموقع الغدة الدرقية في مقدمة الرقبة، يرى البعض أن ملامسة هذه المواد للجلد في هذه المنطقة قد يؤثر على وظائفها. ومع ذلك، تؤكد الدراسات الحالية عدم وجود أدلة علمية قاطعة تثبت هذا التأثير المباشر.
لماذا يثير رش العطر على الرقبة قلق البعض؟
الغدة الدرقية، التي تقع في الجزء الأمامي من الرقبة، مسؤولة عن إنتاج هرمونات تنظم العديد من وظائف الجسم الحيوية. وترتبط المخاوف المتعلقة بالعطور باحتوائها على مركبات قد يكون لها نشاط شبيه بالهرمونات. هذه المركبات، مثل الفثالات، تُستخدم كمثبتات للعطور لإطالة بقاء رائحتها. وبسبب قرب منطقة الرش من الغدة الدرقية، تتزايد التساؤلات حول إمكانية امتصاص هذه المواد وتأثيرها على الغدة.
وقد أشارت دراسة أجريت في عام 2010 في جامعة فرجينيا ونشرت في مجلة “المراجعة النقدية لعلم السموم” إلى أن بعض هذه المركبات قد تظهر نشاطًا شبيهاً بالهرمونات في الدراسات المخبرية. ومع ذلك، فإن الأدلة على تأثيرها في البشر عند مستويات التعرض اليومي المعتاد ما زالت غير حاسمة، مما يستدعي المزيد من البحث العلمي لتأكيد أو نفي هذا الارتباط.
هل يضر رش العطر على الرقبة الغدة الدرقية فعلا؟
يجزم الأطباء وخبراء الغدد الصماء بأنه لا يوجد دليل علمي حتى الآن يربط بشكل مباشر بين رش العطر على الرقبة والإضرار بوظائف الغدة الدرقية. عند وضع العطر على الجلد، تمر مكوناته عبر طبقات البشرة لتصل إلى الأوعية الدموية الدقيقة، ومن ثم إلى الدورة الدموية العامة. هذه العملية تتطلب وقتًا وتخضع لعمليات فلترة طبيعية للجسم، مما يعني أن المواد الكيميائية لا تصل إلى الغدة الدرقية بشكل مباشر أو أسرع مقارنة برش العطر على مناطق أخرى مثل المعصمين.
توضح الدكتورة كاثلين واين، أخصائية الغدد الصماء، أن الجلد وطبقات الأنسجة والعضلات تعمل كحواجز طبيعية تفصل الغدة الدرقية عن أي مواد خارجية تصل إلى سطح الجلد. وبالتالي، فإن احتمالية تأثر الغدة الدرقية بمكونات العطر عند رشها على الرقبة تعتبر ضئيلة جدًا في ظل الاستخدام الطبيعي.
ماذا عن الجلد؟
إذا كان الخطر على الغدة الدرقية غير مثبت، فإن هناك مخاطر أخرى أكثر واقعية مرتبطة برش العطر على الرقبة. فجلود الرقبة رقيقة وحساسة، مما يجعلها أكثر عرضة للتهيج، الاحمرار، أو ردود الفعل التحسسية تجاه بعض المكونات الكيميائية للعطور. بعض المركبات قد تزيد من حساسية الجلد للأشعة فوق البنفسجية، مما قد يؤدي مع التعرض للشمس إلى ظهور تصبغات أو بقع داكنة.
بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي الاستخدام المفرط للعطور إلى تراكم المواد الكيميائية على الجلد، مما قد يسبب تهيجًا في الجهاز التنفسي، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من الحساسية أو الربو. لذا، فإن الاعتدال في الكمية وطريقة الاستخدام يمثلان مفتاحًا للوقاية.
ما الطريقة الأكثر أمانا لاستخدام العطر؟
للاستمتاع بالعطر بأمان، يُنصح باتباع إرشادات بسيطة. يمكن التركيز على رش العطر على الملابس بدلًا من الجلد مباشرة، أو اختيار مناطق أقل حساسية مثل المعصمين وخلف الركبتين. يُنصح بتجنب فرك العطر بعد رشه، حيث يؤثر ذلك سلبًا على بنيته الرائحية. ولمن لديهم بشرة حساسة، يفضل اختيار عطور بتركيز منخفض أو مكونات أبسط، وتجربتها على مساحة صغيرة أولًا.
كما يُنصح بالانتظار حتى يجف العطر تمامًا قبل التعرض للشمس، أو تغطية منطقة الرقبة لحماية البشرة من التصبغات المحتملة. ويحذر بعض الخبراء من رش العطر بالقرب من الوجه لتجنب استنشاق الرذاذ، مما قد يسبب تهيجًا للجهاز التنفسي لدى المصابين بالحساسية أو الربو. يُفضل رش العطر في الهواء ثم المشي عبر الرذاذ، أو توجيهه إلى مناطق أبعد عن الوجه.
متى نحتاج إلى حذر إضافي؟
بينما يعتبر الاستخدام المعتدل للعطر على الرقبة آمنًا بشكل عام، فإن بعض الفئات قد تحتاج إلى اتخاذ احتياطات إضافية. خلال فترة الحمل والرضاعة، يكون الجسم أكثر حساسية، ويفضل بعض الخبراء تقليل التعرض غير الضروري للمواد الكيميائية. كما يجب على الأشخاص الذين يعانون من حساسية الجلد، الربو، أو أمراض تنفسية مزمنة توخي الحذر، وقد يفضلون تجنب العطور تمامًا أو استخدام طرق تطبيق مختلفة.
في الختام، رغم انتشار التحذيرات حول رش العطر على الرقبة وتأثيره المحتمل على الغدة الدرقية، لا توجد دلائل علمية قاطعة تدعم هذا القلق في ظل الاستخدام المعتاد. الاهتمام بحساسية الجلد والجهاز التنفسي، واختيار العطور المناسبة، واتباع طرق رش آمنة، هي أمور أكثر أهمية. من خلال الاعتدال والوعي، يمكن الاستمتاع بالعطر مع الحفاظ على صحة الجسم.

