شهدت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً انتشاراً واسعاً لمصطلح “لوكسماكسينغ” (Looksmaxxing)، الذي بات يعكس ثقافة ذكورية متنامية تدور حول الهوس بتحسين المظهر الجسدي والجمالي. هذه الممارسات، التي اكتسبت شعبية بين الشباب والمراهقين، تدفع البعض إلى البحث عن “النموذج الأمثل للرجولة” من خلال تغيير ملامح الوجه والجسم، مما يثير مخاوف الخبراء من تداعيات نفسية سلبية.
يعود التحول في مفهوم الرجولة إلى تآكل النموذج التقليدي المرتبط بالاستقرار الوظيفي والقدرة على الإعالة، في ظل تسارع وتيرة العصر وصعود الذكاء الاصطناعي وانتشار الوظائف المؤقتة. هذا التغير دفع البعض إلى التركيز على الجسد كسبيل لتعويض تراجع المكانة، مما أدى لشهرة مفاهيم مثل “الجسد المثالي” و”الرجل المهيمن مفتول العضلات”.
من الوظيفة إلى الجسم.. كيف تغير نموذج الرجولة؟
يشير الصحفي جوزيف بيرنشتاين إلى أن مكانة الرجل في القرن العشرين كانت ترتبط أساساً بالاستقرار المهني والأسري. إلا أن هذا النموذج تعرض للتآكل مع تغيرات العصر، مثل تزايد عدم اليقين الوظيفي وصعود الذكاء الاصطناعي. أصبحت صعوبة تحقيق الاستقرار الاقتصادي وامتلاك المسكن أكثر وضوحاً، وقد يدفع هذا الوضع البعض إلى البحث عن سبل بديلة لتعزيز الثقة بالنفس.
في هذا السياق، برز مفهوم أن “الجسد” يمكن أن يصبح وسيلة لتعويض تراجع المكانة التقليدية. تركّز رؤى جديدة للرجولة على معايير جمالية محددة، مثل “الجسد المثالي” و”الرجل المهيمن” مفتول العضلات، مما يجعل المظهر الجسدي محوراً أساسياً في تحديد القيمة.
الجسد كمشروع تحسين مستمر
تساهم منصات التواصل الاجتماعي في ترسيخ فكرة أن الوجه والجسم هما مشروعات قابلة للقياس والتعديل المستمر. تنتشر محتوى على هذه المنصات يشرح كيفية تحليل مقاييس الوجه، مثل زاوية الفك وعظام الخد، وتحديد “العيوب” المتصورة، وتقييم ما يحتاج إلى تعديل. يهدف هذا المحتوى غالباً إلى تقديم حلول لزيادة الكتلة العضلية، أو إنقاص الوزن، أو تحسين “مستوى الجاذبية” العام.
تتنوع النصائح المقدمة، فبينما تشمل بعضها ممارسات تقليدية للعناية بالبشرة، تقدم أخرى طرقاً غريبة أو حتى خطيرة. من الأمثلة على ذلك، لصق اللسان بسقف الفم لتحديد الفك، أو الضربات المتكررة على عظام الوجه باستخدام أدوات صلبة بهدف الحصول على ملامح أكثر حدة. يحذر الخبراء بشكل قاطع من تبني مثل هذه الممارسات نظراً لمخاطرها الصحية.
داخل عالم “تحسين المظهر”.. شباب يحصون عيوبهم
تشير تقارير إلى أن بعض الشباب يتبعون روتيناً يومياً مكثفاً لتحسين مظهرهم، قد يبدأ بقياس وتقييم واجهة المرآة. على سبيل المثال، روى شاب يبلغ من العمر 26 عاماً أنه يمنح نفسه تقييماً بنسبة 7 من 10، معرباً عن عدم رضاه عن بشرته، وشكل فكه، والهالات السوداء تحت عينيه. يعتقد هذا الشاب أن معالجة هذه النقاط قد ترفع تقييمه إلى 9 من 10.
في هذا الإطار، يستخدم بعض الشباب تطبيقات تحليل الوجه لتحديد مناطق “التحسين” المحتملة. قد تتضمن طقوسهم اليومية تمارين رياضية مكثفة، وحمامات متقلبة بين الماء الدافئ والبارد، واستخدام مواد طبيعية مثل الخيار المجمد لتقليل الانتفاخ وحب الشباب. كما يمارسون تمارين للوجه والفك، ويقوم بعضهم بتوثيق هذه الممارسات على منصات التواصل الاجتماعي، معتبرين أن “تحسين المظهر” يساهم في بلوغ “ذروة الرجولة”.
من بين الشخصيات البارزة في هذا المجال، هناك مؤثرون يروجون لمظاهر جسدية خارقة، قد يكون البعض منها ناتجاً عن استخدام هرمونات مثل التستوستيرون منذ سن مبكرة، أو حتى إجراءات جذرية لتعديل ملامح الوجه. يرفض الأطباء بشدة مثل هذه الممارسات، محذرين من خطورتها على الصحة. وقد ساهم محتوى هؤلاء المؤثرين في انتشار ثقافة “تحسين المظهر” على نطاق واسع بين المراهقين والشباب.
حين يتحول “تحسين المظهر” إلى فخ نفسي
يرى جيسون فيرستين، مؤسس مركز استشارات نفسية للرجال، أن “تحسين المظهر” أصبح اتجاهاً يعزز روتيناً مكثفاً للعناية الشخصية، قد يتطور إلى اللجوء لعمليات تجميل وتعديلات جسدية كبيرة. على الرغم من تسويقه كمسار لتحسين الذات، فإن هذا الاتجاه قد يكون ضاراً، حيث يدفع الشباب للسعي وراء شعور زائف بالجاذبية والقبول، خاصة لدى الجنس الآخر.
تحذر كريستين روبيرتي-برونينغ، المتخصصة في اضطرابات الأكل، من أن انتشار مشاكل الصحة النفسية والشعور بالوحدة قد يزيد من قابلية الشباب للانخراط في هذه السلوكيات. هذا بدوره يمكن أن يؤدي إلى اضطراب صورة الجسد وسلوكيات مؤذية للنفس، حيث يصبح التركيز المبالغ فيه على المظهر الخارجي بديلاً عن معالجة الأسباب الجذرية للمشاكل النفسية.
أين ينتهي الاهتمام بالمظهر ويبدأ الهوس؟
وفقاً لروبيرتي-برونينغ، يصبح “التطوير الذاتي” في مجال المظهر ضاراً عندما يكون الدافع الأساسي هو القلق الشديد. ويتحول إلى هوس حين تستحوذ طقوس العناية بالمظهر على جزء كبير من وقت الشاب وطاقته، مما يعيق قدرته على الانخراط في حياته اليومية وعلاقاته الاجتماعية.
تضيف روبيرتي-برونينغ أن الرسائل المجتمعية التي تربط الرجولة بشكل صارم بامتلاك عضلات مفتولة ولياقة بدنية عالية قد تدفع بعض الرجال للشعور بالخجل من أجسادهم وانخفاض تقدير الذات، إذا لم يتمكنوا من مطابقة هذه المعايير المثالية. هذا الضغط المستمر يمكن أن يؤثر سلباً على صحتهم النفسية.
كيف يمارس الشباب تقبل الذات في عصر “الجسد المثالي”؟
تشير روبيرتي-برونينغ إلى أن الشعور بعدم الرضا عن بعض جوانب الجسد هو أمر طبيعي وإنساني. ومع ذلك، فإن الأهم هو تعلم تقبل الذات والتعامل مع هذه المشاعر بطرق بناءة وآمنة. من هذه الطرق:
استخدام الإبداع للتعبير عن المشاعر، كالرسم أو تجميع الصور أو الكتابة. ومتابعة حسابات إيجابية تشجع على تقبل الجسد وتعزز مفاهيم الرجولة الصحية، بدلاً من الترويج لمعايير مثالية قد تكون خانقة. بالإضافة إلى ذلك، يُنصح بقضاء وقت أطول مع الأصدقاء والعائلة، وبناء شبكات دعم قوية خارج نطاق العالم الافتراضي.
في ظل استمرار انتشار ثقافة “لوكسماكسينغ” وتزايد الضغوط المجتمعية المتعلقة بالمظهر، من المتوقع أن تستمر النقاشات حول تأثير هذه الظاهرة على الصحة النفسية للشباب. يبقى التحدي الأكبر هو كيفية الموازنة بين الرغبة في تحسين الذات وتجنب الوقوع في فخ الهوس الجسدي، مع التركيز على بناء تقدير ذات صحي ومتوازن.


