جدل علمي يحيط بزيت جوز الهند: هل هو “غذاء خارق” أم مجرد زيت نباتي؟

يشهد قطاع الأغذية الصحية ومستحضرات التجميل موجة من الترويج لزيت جوز الهند، حيث يروّج العديد من المؤثرين في مجالات التغذية واللياقة البدنية لفوائده المزعومة في إنقاص الوزن وتعزيز الشبع، بالإضافة لقدرته على مكافحة البكتيريا. ومع ذلك، تسعى الأبحاث العلمية إلى فصل الحقائق عن المبالغات في هذه الادعاءات.

في تطور ملحوظ، أظهرت بيانات حديثة نموًا كبيرًا في سوق زيت جوز الهند، ليصل حجمه إلى ما يقارب 5.91 مليارات دولار في عام 2026، مدفوعًا بزيادة الوعي بالزيوت الطبيعية وتعدد استخداماته. هذا النمو الاقتصادي المتزايد يثير تساؤلات حول الأسس العلمية وراء فوائده المروّجة، وهل تتجاوز الدعاية التجارية الواقع.

“منتج” جماهيري يزدهر

شهد سوق زيت جوز الهند نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع حجم السوق من نحو 5.45 مليارات دولار في عام 2025 إلى توقعات تبلغ 5.91 مليارات دولار في عام 2026، بمعدل نمو سنوي مركب (CAGR) يقدر بنحو 8.4%.

يعزو خبراء هذا النمو لعدة عوامل، من بينها التوسع في زراعة جوز الهند بالمناطق الاستوائية، وارتفاع وعي المستهلكين بالزيوت الطبيعية، وتنامي الاعتماد على الاستخدامات التقليدية في الغذاء ومستحضرات التجميل، إلى جانب زيادة الصادرات من الدول المنتجة.

كما أسهمت طرق المعالجة منخفضة التكلفة، إلى جانب الحملات الدعائية المكثفة التي تروج لفوائد زيت جوز الهند بوصفها “استثنائية”، في تحويله إلى مكون شائع في تصنيع عدد متزايد من المنتجات، بعضها غير متوقع، مثل الأطعمة المقلية، والحلويات، والشامبو، والقهوة، والعصائر، إضافة إلى منتجات العناية بالبشرة والشعر.

ما هو زيت جوز الهند؟ وما فوائده الحقيقية؟

زيت جوز الهند هو زيت صالح للأكل يُستخرج من ثمرة جوز الهند، ويتميز باحتوائه على نسبة مرتفعة من الأحماض الدهنية المشبعة. ويجري الترويج له على نطاق واسع بوصفه “غذاء وظيفيا”، مع نسب فوائد صحية محتملة له تمتد إلى مجالات التغذية وصحة القلب والبشرة والأسنان والذاكرة، إضافة إلى فقدان الوزن.

يتمتع زيت جوز الهند بتاريخ طويل من الاستخدام في بعض الثقافات، لا سيما في الهند وجنوب آسيا. وقد اكتسب سمعة إيجابية لقدرته المحتملة على الحد من تكاثر بعض أنواع البكتيريا، بفضل احتوائه على حمض اللوريك (Lauric acid) المعروف بخصائصه المضادة لبعض الكائنات الدقيقة الضارة.

دعاية غير دقيقة

في المقابل، وبينما يروج عدد كبير من مؤثري التغذية واللياقة لوعود تتعلق بخفض الوزن وزيادة الطاقة بمجرد تناول زيت جوز الهند، تشير الأدلة العلمية إلى صورة أكثر تحفظًا. فقد نفت دراسة علمية نُشرت عام 2022 في دورية تابعة لدار “سبرنغر” Springer هذه الادعاءات، وخلص فريق البحث إلى أن استهلاك زيت جوز الهند لم يُظهر أي تحسن ملحوظ في دهون الجسم أو تركيبه مقارنة بالزيوت والدهون الغذائية الأخرى.

وأكد الباحثون أن زيت جوز الهند لم يحقق تحسنًا ذا دلالة إحصائية في مؤشرات دهون الدم، مثل الكوليسترول أو الدهون الثلاثية، كما لم ينعكس استهلاكه على تكوين الجسم من حيث الوزن أو نسبة الدهون أو الكتلة العضلية. وبناءً على ذلك، أوصت الدراسة بتوجيه المستهلكين نحو استخدام زيوت نباتية أخرى، ثبتت فوائدها علميًا بشكل أوضح لصحة القلب والتمثيل الغذائي.

تتضمن وعود المؤثرين لعملائهم ما يصفونه بـ “النتائج الرائعة” لزيت جوز الهند بوصفه قادرًا على رفع الكيتونات -مصدر طاقة للجسم- وزيادة الشبع. وقد وجدت دراسة سويدية أجريت عام 2020 على 15 مشاركًا بالغًا سليمًا بعد صيام 12 ساعة أن زيت جوز الهند لم يرفع الكيتونات بشكل يذكر، بل إنه لم يكن مختلفًا إحصائيًا عن زيت دوار الشمس في تأثيره.

حسمت دراسة برازيلية منشورة عام 2023 الأمر حول هذه الوعود، واصفة إياها بـ “عبء المعلومات المضللة على الصحة العامة”. وأكد الباحثون أن زيت جوز الهند غني بالأحماض الدهنية المشبعة ولا يؤدي إلى فوائد للقلب، ولا يحسن الالتهابات.

ومع ذلك، فقد رصدت الدراسة المنشورة بمجلة “أرشيف الغدد الصماء والتمثيل الغذائي” (Archives of Endocrinology and Metabolism) ارتفاع استهلاكه في السنوات الأخيرة حول العالم. فسر الباحثون هذه الظاهرة بـ “تزايد اعتقاد العاملين في الصحة أن هذا الزيت صحي مثل الزيوت الأخرى وربما أكثر صحة”.

كما رصد الباحثون ما وصفوه بـ “انتشار المعلومات المضللة” عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي دفعهم إلى العمل على مراجعة علمية لدحض الادعاءات المبالغ فيها حول ذلك الزيت. يؤثر زيت جوز الهند سلبًا على الدهون المرتبطة بصحة القلب والتمثيل الغذائي، نظرًا للدور الذي يلعبه في زيادة الكوليسترول.

ولتحقيق أقصى استفادة ممكنة، يجب ألا يتم دمج زيت جوز الهند في النظام الغذائي بكميات كبيرة. توصي جمعية القلب الأمريكية ألا تزيد الدهون المشبعة عن 13 غرامًا يوميًا، ما يعني أنه لا يجب أن تزيد الكمية المستهلكة من زيت جوز الهند يوميًا عن ملعقة واحدة كبيرة بحد أقصى. وتُعد زيوت أخرى مثل زيت الزيتون وزيت الكانولا خيارات صحية أكثر.

فوائد حقيقية مثبتة

بينما تظل العديد من الادعاءات المتعلقة بزيت جوز الهند قيد الدراسة، ثمة فوائد مثبتة بالفعل حين يتعلق الأمر باستخدامه كدهان موضعي على الشعر أو البشرة، بالإضافة لفوائد أخرى.

يجعل زيت جوز الهند خصلات الشعر أكثر مرونة ويزيد من قوتها ويمنع تقصفها حيث يخترق الخصلات بعمق ويغذيها مما يقوي الشعر أكثر. كما يعزز من رطوبة البشرة الجافة ويساعد على منع فقدان الماء ويشكل حاجزًا جلديًا يحمي من العوامل الخارجية المعدية والمواد الكيميائية المسببة للحساسية. يعتبر وضع 6-8 قطرات من زيت جوز الهند البكر على اليدين وتركه طوال الليل وسيلة فعالة لمنع جفاف الجلد الناتج عن الاستخدام المتكرر لمعقمات اليدين القائمة على الكحول.

قد يكون زيت جوز الهند وسيلة فعالة في الحفاظ على صحة الفم. يتفاعل حمض اللوريك الموجود في زيت جوز الهند مع اللعاب ليشكل مادة تشبه الصابون تمنع التسوس وتساعد في تقليل تراكم اللويحة السنية (Dental Plaque) والتهاب اللثة.

شاركها.
Exit mobile version