التهاب السحايا: الخطر الصامت يهدد الجامعات البريطانية
بين ممرات الجامعات البريطانية، يكمن خطر صامت أصبح مصدر قلق حقيقي للصحة العامة، خاصة مع تزايد حالات التشخيص الخاطئ تحت مسمى “إنفلونزا المستجدين”. إنه “التهاب السحايا” (Meningitis)، الذي تصفه منظمة الصحة العالمية بأنه “مرض فتاك بإمكانه أن يودي بحياة الأفراد، وغالبا ما يسفر عن مشكلات خطيرة على المدى الطويل”. تختلف أعراض الإصابة بـ”التهاب السحايا” بناء على سبب الإصابة وحدّتها، لكنها غالبا تبدأ بأعراض تشبه نزلة البرد أو الإنفلونزا، قبل أن يتحول الأمر في بعض الحالات إلى مأساة طبية خلال أقل من 24 ساعة إذا لم يكتشف مبكرا.
تفشٍ يثير الذعر في جامعة كِنت
لم تعد التحذيرات مجرد احتمالات نظرية، بل واقعا مؤلما شهده المجتمع البريطاني مؤخرا. فقد أثار تفشي التهاب السحايا في جامعة “كِنت” ومدارس منطقة “كانتربري” جنوب شرقي إنجلترا، ذعرا واسعا بعد وفاة شابين في منتصف مارس/آذار الجاري إثر إصابتهما بالمرض. وبحسب وكالة الأمن الصحي البريطانية، بلغت الحالات المؤكدة 20 حالة، بينما لا تزال ثلاث حالات أخرى قيد التحقق، ليتراجع العدد الإجمالي إلى 23 حالة بدلا من 29 حالة كانت قد سجّلت يوم الأحد الماضي. ولا يزال أربعة أشخاص يتلقون العلاج في وحدات العناية المركزة.
كيف أصبحت الحفلات والنوادي “بيئة خصبة” للعدوى؟
كانت بداية تفشي المرض من نادي “كيمستري” الليلي في كانتربري، حيث تجمع بعض الطلاب في سهرة شبابية ليلية مزدحمة ومغلقة تملؤها الأدخنة، وهو مكان يعد “بيئة خصبة” لانتقال العدوى بسهولة. فقد كشفت دراسة نشرت في “بريتيش ميديكال جورنال” (British Medical Journal)، وأجريت على المراهقين البريطانيين، أن الذهاب إلى النوادي الليلية والتدخين المشترك يرفع خطر الإصابة بالعدوى بمقدار أربعة أضعاف. وبالنسبة لطلاب الجامعات الذين يتقاسمون السكن والحفلات والأنشطة الليلية، تصبح هذه العناصر مجتمعة وصفة مثالية لانتقال البكتيريا سريعا بين الأصدقاء وزملاء السكن.
لماذا الجامعات بيئة مثالية لانتشار التهاب السحايا؟
يرى خبراء الصحة أن الحرم الجامعي يوفر ظروفا متكاملة تساعد البكتيريا على الانتشار. فالطلاب يأتون من مدن وبلدان مختلفة، يحمل كل منهم سلالات بكتيرية مغايرة في الأنف والحلق، ثم يجتمعون في سكنات مشتركة، وقاعات محاضرات مزدحمة، ووسائل نقل جماعية، وحفلات مغلقة تتصاعد فيها الأدخنة. ومع انتشار التدخين والسجائر الإلكترونية بين الشباب، تصبح الأغشية المبطنة للمجاري التنفسية أكثر عرضة لالتصاق البكتيريا، لتكتمل بذلك “البيئة المثالية” لانتقال التهاب السحايا في الجامعات.
“عاصفة كاملة” في الحرم الجامعي
وفقا للبروفيسور أندرو بولارد، مدير مجموعة أكسفورد للقاحات، فإن ما يحدث في الجامعات يشبه “العاصفة الكاملة”. فالطلاب يجلبون سلالات بكتيرية مختلفة من مدنهم ومجتمعاتهم الأصلية، وحين يلتقون في مكان واحد ويختلطون في قاعات الدراسة والسكن الجامعي والنوادي، تبدأ هذه السلالات في الامتزاج والانتشار. تحدث الإصابة الخطيرة عندما تجد البكتيريا طريقها من الأنف والحلق إلى مجرى الدم، وصولا إلى السائل المحيط بالدماغ والنخاع الشوكي. ويشتبه الخبراء في أن تفشي “كِنت” الأخير حفزه نوع من “النشر الفائق” للبكتيريا، وزاد من خطورته انتشار تدخين السجائر والسجائر الإلكترونية بين الشباب، مما يسهل على البكتيريا الالتصاق بالأنسجة المبطنة للمجاري التنفسية، بحسب “بي بي سي”.
أعراض لا يجب تجاهلها أبدا
حذرت هيئة الصحة الوطنية البريطانية من مجموعة من “الأعراض الحمراء” التي لا يجب تجاهلها أبدا، خاصة لدى الطلاب في بيئة السكن الجماعي: الصداع الحاد الذي لا يشبه نوبات الصداع العادية، وتصلب الرقبة والشعور بألم عند محاولة لمس الصدر بالذقن، والحساسية من الضوء مع انزعاج شديد من ضوء الغرفة أو شاشة الهاتف، والارتباك والهذيان وفقدان القدرة على التركيز أو التصرف بغرابة أو الكلام بشكل غير مترابط. قد تترافق هذه الأعراض مع حرارة مرتفعة، قيء، نعاس شديد أو رفض الاستيقاظ، خاصة عند المراهقين والشباب.
لا تنتظر الطفح الجلدي
من أخطر المفاهيم الخاطئة حول التهاب السحايا، فكرة “الانتظار حتى ظهور الطفح الجلدي”. فالحقيقة الطبية الصادمة هي أن ظهور البقع الحمراء أو الأرجوانية التي لا تختفي عند الضغط عليها، يعني أن البكتيريا قد بدأت بالفعل في تسميم الدم، وهذه مرحلة متأخرة جدا وخطيرة. كما تؤكد مؤسسة الروتاري للبحوث الطبية أن الاعتماد على “اختبار الكوب الزجاجي” كعلامة وحيدة هو مجازفة كبرى. لكن القاعدة الذهبية تظل: لا تنتظر الطفح الجلدي، إذا ظهرت الأعراض الأخرى المقلقة، اطلب المساعدة فورا.
كيف تحمي نفسك وزملاءك؟
وسط هذه “العاصفة” من الاختلاط والسكن المشترك والحفلات، يمكن لعدد من الخطوات الواضحة أن تقلل الخطر بشكل كبير: الحصول على لقاح MenACWY قبل أو مع بداية الدراسة الجامعية، وتجنب مشاركة السجائر أو الشيشة أو أدوات الشرب، وتقليل التواجد في أماكن مغلقة شديدة الازدحام لفترات طويلة. كما يجب عدم تجاهل الأعراض الحمراء مثل الصداع الحاد غير المعتاد، أو تصلب الرقبة، أو الحساسية من الضوء، أو الارتباك. وتحرك من أجل زملائك؛ إذا لاحظت على صديقك نعاسا غير طبيعي، أو ارتباكا، أو رعشة رغم دفء الغرفة، فلا تتردد في طلب المساعدة الطبية أو الاتصال بالطوارئ.
اللقاح.. بوليصة تأمين في بيئة السكن المشترك
تشير تقارير وسائل الإعلام البريطانية إلى قلق متزايد في الأوساط الطبية بسبب انخفاض معدلات الإقبال على اللقاحات بين المراهقين والطلاب. هذا التراجع أفسح المجال لعودة سلالات بكتيرية قاتلة مثل السلالة “دبليو” (W). لذا دعت الحكومة البريطانية جميع الطلاب الجدد للتأكد من حصولهم على لقاح “MenACWY” قبل الانضمام إلى الجامعة، لأن هذا اللقاح يحمي من أربع سلالات بكتيرية شرسة. وهو ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو “بوليصة تأمين” على حياتك وسط بيئة السكن المشترك.
الساعة الذهبية.. حين يتحول الشك إلى بطولة
كثيرا ما نسمع أو نقرأ مصطلح “الساعة الذهبية” في وسائل الإعلام التي تتناول الأمور الصحية والطبية. وتبرز أهمية هذه الساعة بشكل خاص مع التهاب السحايا، الذي يمكن أن يؤدي إلى الوفاة أو إلى إعاقات دائمة، مثل فقدان السمع أو بتر الأطراف. لذا يعد “الشك” في الإصابة بالمرض قمة المسؤولية من جانب الشخص. فقد ذكرت صحيفة “الغارديان” قصصا لطلاب أنقذوا حياة زملائهم لأنهم “شكوا” فقط في أن شيئا ما ليس على ما يرام. وسرعة الاتصال بالطوارئ عند الشك هي الفعل البطولي الذي قد يمنح حياة جديدة. يفضل المسعفون فحص شخص قد يظهر لاحقا أنه مصاب بإنفلونزا عادية، على فقدان إنسان بسبب تأخر التشخيص.
المعرفة التي تنقذ الأرواح
ونقلت “الغارديان” عن الدكتورة إليزا غيل، المحاضرة الإكلينيكية في كلية لندن للصحة وطب المناطق الحارة، أن “البكتيريا لا تبقى حية في البيئة المحيطة بنفس الطريقة التي يفعلها الفيروس”، وهو ما يعني أن كسر سلسلة هذا القاتل يعتمد بدرجة كبيرة على سرعة اكتشاف الحالات والتصرف إزاءها. في بيئة الجامعات البريطانية، حيث يتقاسم الطلاب غرف النوم وقاعات الدراسة ووسائل النقل والحفلات الليلية، تصبح المعرفة واليقظة سلاحين حقيقيين. أن تكون الشخص الذي ينقذ زميله لأنك قرأت مقالا أو لاحظت عرضا غريبا ولم تتجاهله، هو البطولة الحقيقية. وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بتضخيم الخوف، بل بتحويله إلى وعي عملي ومسؤول يقول: في جامعات بريطانيا، الوعي والشك المسؤول ينقذان الأرواح.

