تُعد الأطباق الشعبية في سوريا أكثر من مجرد وصفات متوارثة؛ إنها وثائق حية تعكس صراعات تاريخية، وتطورات اقتصادية، وتغيرات في الذائقة، وانتقالاً للمعرفة عبر الأجيال. من الباذنجان الذي واجه الريبة الطبية قبل أن يصبح طبقًا أيقونيًا، إلى الكبة التي مزجت القمح واللحم في معادلة غذائية واجتماعية معقدة، وصولًا إلى حلاوة الجبن التي كسرت الحاجز بين المالح والحلو، تكشف هذه الأطباق عن مسار طويل للابتكار الصامت. السؤال الأعمق هو: كيف ولماذا وصلت إلينا هذه الأطعمة بهذا الشكل؟

الباذنجان بين الطب والريبة: رحلة المتبل

قبل استقراره كمكون أساسي في المطبخ الشامي، واجه الباذنجان تحفظات في الأدبيات الطبية القديمة. تعامل أطباء القرون الوسطى مع هذه الثمرة بحذر، ضمن إطار نظرية الأخلاط السائدة، معتبرين أن الإفراط في تناولها أو عدم معالجتها بشكل صحيح قد يكون ضارًا. أشارت كتب الطب التقليدي إلى وجوب تغيير ماء الباذنجان أو طهيه جيدًا لتقليل حدته، وهي ملاحظات لم تكن مقتصرة على الباذنجان بل شملت خضروات أخرى دخلت المطبخ العربي لاحقًا.

من البورانية إلى أطباق الباذنجان المهروس

رغم التحفظ الطبي، شق الباذنجان طريقه مبكرًا إلى مطابخ الحواضر. تعتبر “البورانية” من أقدم الأطباق الموثقة التي اعتمدت عليه، كما ورد في كتب الطبيخ العباسية، مثل “كتاب الطبيخ” لمحمد بن الحسن البغدادي. اعتمدت وصفات البورانية على سلق الباذنجان وهرسه مع اللبن والثوم والملح، وأحيانًا كان يُزين باللحم المقلي. تعكس هذه الوصفات ذائقة حضرية تميل إلى القوام المتجانس والأطعمة اللينة، بما يتماشى مع التصورات الغذائية السائدة آنذاك.

تحولات الوصفة بين الأقاليم والذائقة المحلية

تتبع تطور المتبل يكشف عن مسارات جغرافية وثقافية تداخلت فيها طرق الطهي مع توافر المكونات وتغير الذائقة. في بغداد العباسية، ساد أسلوب يعتمد على سلق الباذنجان وخلطه باللبن والثوم. أما في حلب، المدينة التجارية، فقد تطورت وصفات الباذنجان بإضافة عناصر حمضية كالليمون و”دبس الرمان”، قبل أن تدخل الطحينة كعامل ربط أساسي. هذا التحوّل نقل الطبق تدريجيًا نحو صيغة أكثر كثافة، أقرب إلى المتبل المعروف اليوم.

في بلاد الشام عمومًا، برز أسلوب شوي الباذنجان مباشرة على النار أو الفحم بدلًا من سلقه. ورغم أن هذه التقنية لا توثق بوضوح في كتب الطهي الوسيطة، إلا أنها أصبحت سمة مركزية في إعداد المتبل، لما تمنحه من نكهة مدخنة تعزز عمق الطعم وتقلل من المرارة.

المتبل بصيغته الشامية المعاصرة

نتيجة لهذا التراكم التاريخي، استقر طبق المتبل في المطبخ الشامي الحديث على توازن بين الباذنجان المشوي والطحينة والحموضة المعتدلة. يعتمد الطبق اليوم على باذنجان أسود كبير الحجم يُشوى على اللهب حتى يتفحم القشر ويطرى اللب، ثم يُقشر ويُهرس يدويًا. تُحضر الطحينة بخلطها مع عصير الليمون والثوم والملح، ثم تُدمج مع الباذنجان المهروس. يُقدم المتبل مزينًا بزيت الزيتون، مع إضافات اختيارية مثل الرمان أو الأعشاب.

المتبل والبابا غنوج: اختلاف الاسم لا الجوهر

تشير دراسات حديثة في تاريخ الطعام إلى أن التمييز بين “المتبل” و”البابا غنوج” ليس موحدًا في كل المناطق. ففي كثير من بلاد الشام، يدل المتبل على الباذنجان المشوي مع الطحينة، بينما يُستخدم اسم بابا غنوج لأشكال أخف تعتمد على الباذنجان المشوي مع الخضروات المفرومة و”دبس الرمان”، دون إضافة الطحينة. يعكس هذا التعدد طبيعة المطبخ العربي، حيث تتشكل الوصفات وفقًا للبيئة والذائقة والتقاليد المحلية.

الكبة: مزيج القمح واللحم وتاريخ المجتمع

تمثل الكبة في مطبخ بلاد الشام نتاجًا لمسار طويل عند تقاطع البيئة الزراعية مع تقنيات إعداد اللحم، وتطورات المجتمع والاقتصاد. عرفت حضارات الشرق الأدنى القديم أساليب متنوعة لمعالجة اللحم، كالفرم والدق والهرس، باستخدام أدوات حجرية. تكشف النصوص الأثرية، خاصة تلك التي تصف الولائم الملكية الآشورية، عن تنوع في طرق تحضير اللحوم وتتبيلها. لكن هذه الشواهد لا تثبت وجود طبق يماثل الكبة بصيغتها المعروفة اليوم، بل تشير إلى سياق تقني وغذائي مهد لظهور أطباق قائمة على اللحم المدقوق.

تدوين اللحم المدقوق في العصر العباسي

مع ازدهار التدوين في العصر العباسي، دخل فن الطبخ مجال التأليف المنهجي. أورد كتاب “الطبخ” لمحمد بن الحسن البغدادي وصفات متعددة تعتمد على اللحم المدقوق والمشكّل في هيئة كرات أو أقراص، تُطهى في المرق أو تُقلى. رغم التشابه التقني مع الكبة، فإن مصطلح “كبة” لا يرد صراحة في هذه النصوص، كما لا يظهر البرغل كمكون أساسي، مما يشير إلى مرحلة تطورية سبقت تشكل الكبة بصيغتها الشامية.

البرغل ونشأة الكبة الشامية

يمثل إدخال البرغل—القمح المسلوق والمجروش—نقطة تحول حاسمة في تاريخ الكبة. ارتبط البرغل بالبيئة الزراعية في بلاد الشام، وشكل مادة غذائية أساسية قابلة للتخزين وقاعدة لما يعرف بـ”مونة البيت”. هنا، نشأت الكبة كمزيج متوازن من اللحم والقمح، يجمع بين البروتين الحيواني والغلال، محققًا كفاءة غذائية واقتصادية. تعد الكبة النية التعبير الأوضح عن هذا التحول، حيث تعتمد على لحم طازج جدًا يُدق ويمزج بالبرغل الناعم والتوابل.

التنوع الجغرافي وتعدد الصيغ

مع انتشار الكبة، تكيفت مع البيئات المحلية وتقاليدها. في بلاد الشام، ارتبطت الكبة بالبرغل ارتباطًا وثيقًا، وتطورت تقنيات تشكيل دقيقة جعلت من التكبيب فنًا، لا سيما في حلب التي اشتهرت بتعدد أصناف الكبة وابتكاراتها.

الكبة.. طقس اجتماعي

تجاوزت الكبة كونها طعامًا لتصبح ممارسة اجتماعية. ارتبط إعدادها بعمل جماعي، خاصة في دق اللحم والبرغل، وهو جهد مشترك يحوّل الطهي إلى حدث اجتماعي. ظهرت صيغ بديلة في أوقات الشدة الاقتصادية، مثل “كبة القمح” أو “كبة الحيلة”، حيث يقل اللحم أو يستعاض عنه بالخضروات أو المكسرات، مما يعكس قدرة الطبق على التكيف مع الظروف المعيشية المتغيرة.

حلاوة الجبن: من الملوحة إلى الحلاوة

في رحلة الأكلات السورية التراثية، تبرز حلاوة الجبن كأحد أكثر الحلويات تعبيرًا عن براعة المطبخ الشامي. تتطلب معالجتها تحويل الجبن، المادة المالحة الصلبة، إلى عنصر رئيسي في حلوى. في المطبخ العربي الوسيط، ارتبط اسم الجبن بالغذاء الضروري لا التحلية، حيث وثقت كتب التراث أنواعًا من الأجبان المالحة والمكبوسة كالحلوم، المصممة للحفظ الطويل.

في المخطوطات الأندلسية والمغاربية من القرن الثالث عشر، تظهر محاولات مبكرة لكسر هذا القالب، مثل وصفة “قرص” التي تعتمد على عرك الجبن لتقليل ملوحته ومزجه بالدقيق وبياض البيض ثم قليه وغمره بالعسل. هذه الوصفة تكشف عن فكرة تحويل البروتين الحيواني إلى عجينة حلوة عبر المعالجة الحرارية والميكانيكية.

بالتوازي، كانت مطابخ المشرق تطور تجربة ثانية باستخدام السميد. وثق “كنز الفوائد في تنويع الموائد” أطباقًا مثل “السميدية”، تعتمد على طبخ السميد مع السكر والدهن والمياه العطرية. تدل هذه النصوص على أن تقنيات تطويع السميد وتحويله إلى قاعدة حلوة كانت راسخة، مما مهد لاندماجه مع الجبن لاحقًا.

في فضاء المذاق الشامي الحديث، التقت هاتان التجربتان لتتبلور “حلاوة الجبن”. لم تعد الوصفة أقراصًا مقلية، بل أصبحت فنًا قائمًا على سحب الجبن من ملوحته عبر النقع، ثم طهوه ببطء مع السميد الناعم وشراب السكر. تتطلب هذه العملية صهرًا حراريًا مستمرًا وعجنًا يدويًا شاقًا حتى يذوب الجبن والسميد معًا. تُفرد العجينة وهي ساخنة لتتحول إلى رقائق رقيقة، تُحشى بالقشطة الغنية وتُقدم مغمورة بالقطر المعطر.

حلاوة الجبن: حرفة انتقلت إلى الأسواق

خرجت حلاوة الجبن من نطاق المطابخ الخاصة لتحتل مكانها في الأسواق، وتحولت إلى حرفة تتطلب مهارة وخبرة. أسهم هذا الانتقال في توحيد شكل الحلوى وتثبيت هويتها البصرية، مع الحفاظ على جوهرها القائم على الطهو اليدوي.

في مدن وسط وشمال بلاد الشام، مثل حماة وحمص وحلب، اكتسبت حلاوة الجبن ملامحها النهائية. تكرست تقنية الفرد الرقيق والحشو بالقشطة، وأصبح استخدام أجود أنواع الفستق الحلبي جزءًا لا يتجزأ من هوية الطبق. تحولت هذه الحلوى إلى علامة ثقافية سورية، تحمل بصمات المكان الذي صاغها وأتقنها.

إن التأمل في رحلة حلاوة الجبن هو قراءة في روح المطبخ الشامي وقدرته على الابتكار، حيث استطاع تحويل الملوحة إلى حلاوة، ودمج خشونة السميد بصلابة الجبن. وهكذا، لا تبدو حلاوة الجبن مجرد حلوى، بل تعبيرًا عن هوية ثقافية حية، صاغتها النار واليد، وحفظتها الذاكرة عبر الأجيال. تكشف هذه الأطباق الثلاثة أن المطبخ السوري ليس مجرد سجل للوصفات، بل أرشيف حي لتاريخ اجتماعي وثقافي طويل. ما هي الأطباق التي قد تتطور مستقبلًا وتتحول إلى رموز ثقافية جديدة؟

شاركها.
Exit mobile version