قرية لكفيفات المغربية تتحول لجزيرة معزولة بفعل الفيضانات الاستثنائية
شهدت قرية لكفيفات، الواقعة غربي المغرب، تحولاً دراماتيكياً من منطقة تعاني الجفاف إلى جزيرة معزولة، وذلك عقب فيضانات استثنائية ضربت أربعة أقاليم في المملكة. وتأتي هذه الكارثة الطبيعية بعد أسابيع قليلة فقط من مواجهة أهالي القرية لموجة جفاف حادة أدت إلى نضوب آبار المياه.
تغير المشهد بشكل كامل في قرى مثل لكفيفات، التي تتبع إقليم القنيطرة. فبعد أن كانت تعاني من نقص المياه، أصبحت هذه المناطق الآن محاطة بالكامل بمياه الفيضانات، مما يعزل السكان ويشكل تحديات معيشية غير مسبوقة.
قرى منكوبة تحت الحصار المائي
عائلات كثيرة في قرية لكفيفات اضطرت لمغادرة منازلها التي اجتاحتها المياه، متجهة نحو مخيم الهماميس الذي أقامته السلطات في ضواحي مدينة القنيطرة. ويبعد هذا المخيم حوالي 22 كيلومتراً عن القرية المنكوبة، في محاولة للتأقلم مع الظروف الصعبة.
في المقابل، آثرت عائلات أخرى البقاء في منازلها العائمة، مكابدةً أوضاعاً متفاقمة في ظل انقطاع تام للمياه والكهرباء، وضعف شديد في خدمة الإنترنت. هذه المعاناة تتزايد مع استمرار الحالة الطارئة.
بين 28 يناير و14 فبراير، شهدت أقاليم القنيطرة، العرائش، سيدي قاسم، وسيدي سليمان فيضانات مدمرة. وقد تفاقمت الأوضاع بشكل خاص في مدينة القصر الكبير بإقليم العرائش، بعد امتلاء سد “وادي المخازن” عن آخره، حيث بلغت نسبة ملئه 156%.
لا تزال عدة قرى، منها المكرد في إقليم القنيطرة والحوافات في إقليم سيدي سليمان، معزولة بالكامل، وسط مخاوف متزايدة من إمكانية تفريغ المزيد من المياه من السدود، مما قد يؤدي إلى تفاقم الوضع.
استجابة للأزمة، خصصت الحكومة المغربية مبلغ 300 مليون دولار لدعم المناطق المتضررة. وقد أدت الفيضانات إلى وفاة أربعة أشخاص وفقدان خمسة آخرين، بالإضافة إلى إجلاء نحو 188 ألف شخص من الأقاليم الأربعة المتضررة، حيث اجتاحت المياه ما يزيد عن 110 آلاف هكتار من الأراضي.
الوصول إلى لكفيفات.. رحلة عبر المياه
وقد رافقت وكالة الأناضول أحد قوارب الإجلاء المتجهة من قرية لكفيفات، ورصدت عن كثب المخاطر التي يتعرض لها السكان والأوضاع المتفاقمة داخل القرية. وتظهر الصور والشهادات حجم الكارثة التي حولت منازل وأراضي إلى مسطحات مائية.
تحيط المياه بقرية لكفيفات من كل جهاتها، ويصل ارتفاعها في بعض المناطق الجنوبية إلى حوالي مترين. لحسن حظ بعض العائلات، تقع منازلها في مناطق مرتفعة نسبياً، مما خفف من وطأة الغمر.
خصصت قوات الدفاع المدني قوارب لنقل السكان الراغبين في الانتقال إلى مخيم الهماميس، بالإضافة إلى عمليات تمشيط مستمرة للقرية والمناطق المحيطة بها، بحثاً عن أي نداءات استغاثة أو رصد أي ارتفاع جديد في مستوى المياه.
تقطع مركبات الوقاية المدنية مسافات تتجاوز العشرين كيلومتراً تحت المياه للوصول إلى لكفيفات، بهدف مساعدة الأهالي ونقل احتياجاتهم الضرورية قبل إجلائهم. وتظهر المنازل المغمورة بالمياه على طول الطريق، حيث لا يظهر من الشوارع سوى أعمدة الكهرباء.
عند رؤية أهالي القرية للقوارب، أطلقوا هتافات ترحيب، حيث أبحر المحققون باتجاه عمق المياه، ليستشهدوا على مؤسسة تعليمية مغمورة بالكامل. وإلى جانب لكفيفات، تجتاح المياه قرى مجاورة مثل المكرن وديور الصافر والقطعات.
حياة معلقة بين المياه والانتظار
يعيش سفيان المحكاك، 35 عاماً، وهو أحد سكان لكفيفات، حالة من الانتظار القلق، آملاً في تحسن الأحوال الجوية لتراجع منسوب المياه. ويعرب المحكاك عن حزنه العميق للأوضاع الراهنة، خاصة مع غياب المياه النظيفة والكهرباء وانقطاع الاتصالات.
يؤكد المحكاك أن المياه غمرت منزله بالكامل، مما أدى إلى توقف الحياة فيه. ويضيف أن المياه حاصرت القرية من كل جانب، وأن مخزون الغذاء بدأ ينفد بعد دخول الفيضانات أسبوعها الثاني.
ويشير المحكاك إلى أن بعض الأسر التي بقيت في القرية تخشى ترك ممتلكاتها، وأخرى تحجم عن المغادرة خوفاً على ماشيتها. ويدعو السلطات إلى تقديم الدعم للعائلات التي اختارت البقاء في منازلها.
تضامن مجتمعي في مواجهة الكارثة
وسط هذه الأوضاع الصعبة، يسود تضامن ملحوظ بين أهالي القرية، حيث تتقاسم العائلات ما لديها من مواد غذائية. ويقول محمد الشكير، 40 عاماً، إن الأسر التي فضلت البقاء في القرية فعلت ذلك بسبب تعلقها بمواشيها.
خلال رحلة العودة، تحركت أربعة قوارب تحمل على متنها مواطنين نحو المخيمات، بينهم سيدة مع أطفالها الصغار، وهم محميون بقطعة كبيرة من البلاستيك. تزامنت رحلة العودة مع أمطار ورياح قوية، مما أدى إلى تدفق المياه على القوارب، وزيادة حالة القلق العام.
الحكومة المغربية تتخذ إجراءات لدعم المتضررين
أعلنت الحكومة المغربية عن تخصيص مبلغ 140 ألف درهم (حوالي 14 ألف دولار) لكل منزل انهار جراء الفيضانات، بالإضافة إلى 6000 درهم (حوالي 600 دولار) لكل عائلة متضررة.
ووفقاً لبيان رئاسة الحكومة، سيتم دعم الفلاحين المتضررين من خلال برنامج خاص يشمل توفير البذور والأسمدة، لتسريع وتيرة استدراك الموسم الزراعي. وقد بدأت بعض المناطق تشهد عودة تدريجية للسكان الذين أخليت منازلهم، بعد تحسن الأحوال الجوية.
تجدر الاشارة إلى أن وزارة الماء تعتزم اتخاذ تدابير لضمان عودة آمنة وتدريجية للسكان الذين تم إجلاؤهم من الأقاليم الأربعة المتضررة. يترقب السكان الآن مدى فعالية هذه الإجراءات وتداعيات استمرار الظروف المناخية المتقلبة.

