يمثل المطبخ السعودي تجربة فريدة، تنصهر فيه روح البادية مع ثراء الموانئ لتنتج هوية غذائية عابرة للأجيال. فمن حجر الرحى النجدي إلى “أكياس الخيش” الحجازية، يبرز الإبداع في تطويع الموارد وتحويلها إلى رموز السيادة على المائدة. واليوم، يتجلى هذا الثراء بأبهى صوره في ليالي شهر رمضان المبارك، حيث تتحول هذه الأطباق من مجرد وجبات إلى طقوس اجتماعية تجمع العائلة حول “قدر واحد” يختصر المسافة بين الماضي والحاضر.
رحلة في تاريخ الكبسة
كان يكفي في القرن التاسع عشر أن تلمح كيساً من الخيش مرسوماً عليه فيل أو نخلة في أحد موانئ “العقير” – في المنطقة الشرقية – أو “جدة” – غرب المملكة – لتعرف أن ثورةً في طريقها إلى الموائد. لم يكن الأرز يومها مجرد طعام، بل كان “عملة صعبة” يُقايض بها اللؤلؤ والتمور، في مفارقة جعلت من هذه الحبة البيضاء الطويلة رمزةً للثراء قبل أن تصبح قوتاً للجميع.
الكبسة في جوهرها ليست مجرد وصفة، بل هي “اتفاقية” تاريخية بين اللحم المطهو في الماء والملح، وبين الأرز القادم من سفوح الهيمالايا، لتولد أكلة أزاحت البرغل والهريس عن عرشهما بعد صراع مع الذاكرة الغذائية للجزيرة العربية.
مع قوافل الحجاج، وصلت أكياس البهارات من “جاوا” و”كيرالا” لتختلط وتنتج ما نعرفه اليوم بالكبسة الحجازية. في هذا الطبق، لم يكن الأرز مجرد مكون عادي، بل وسيلة لدمج ثقافات الحجاج المختلفة في قدر واحد يتميز برائحة الخولنجان والقرفة، مما أعطى الكبسة الحجازية مكانة خاصة وفخمة بين أطباق الأرز العربية.
وتبرز الكبسة الحجازية اليوم كأيقونة في مطابخ مكة والمدينة وجدة، حيث لا تكتمل هويتها إلا بـ “سلطة الدقوس” الحارة و”الطرشي” الحجازي الذي يكسر حدة الدسم.
كيف تختلف نكهات الأرز في الخليج؟
وفي المطبخ المعاصر، تلون “المجبوس” بألوان المدن التي نزل فيها. في الكويت، يتحول الطبق إلى “مجبوس الدجاج الكويتي الأصلي”، والذي لا يكتفي فيه بضغط الدجاج مع الأرز، بل تتوج الطبق بـ “الحشو”؛ وهو خليط من البصل المكرمل والزبيب (الكشمش) والحمص المجروش (النخي)، مُطعم بترف الزعفران وماء الورد، مما يمنحه نكهة أرستقراطية تميزه عن غيره.
أما في السعودية، فتتجلى الكبسة في وجوه متعددة تعكس تنوع المملكة الجغرافي. فيظهر مثلا “الأرز بالسليق” كوجه آخر نقي وأبيض، حيث يُطهى الأرز المصري (قصير الحبة) مع الحليب والكريمة والمستكة، ليقدم تجربة دسمة وناعمة تختلف كليًا عن حدة البهارات الحمراء.
وفي السواحل الغربية، يظهر “المعدوس”، حيث يختلط الأرز بالعدس ويُقدم مع السمك الناشف، في دلالة على تزاوج البيئة البحرية مع حبوب الأرض.
الجريش.. وريث “الدشيشة” و”الهريسة”
وغير بعيد عن الكبسة، ارتبط الجريش – الذي يصنفه البعض من المقبلات – قديماً في بيوت الطين بصوت “المضرابة” الخشبية التي تطحن القمح الصلب داخل قدور النحاس الثقيلة. هذه العملية لم تكن مجرد طهي، بل كانت مهارة تتطلب صبراً طويلاً لتحويل الحبوب الجافة إلى قوام لين ومميز.
تاريخياً، تعود أصول الجريش إلى حضارات عربية قديمة اعتمدت على “الحبوب المهروسة”. وتذكر المخطوطات الإسلامية المبكرة أطباقاً مثل “الدشيشة” و”الهريسة” كبدايات لهذا النوع من الطعام، وذلك قبل وقت طويل من دخول الأرز البسمتي إلى المنطقة عبر التجارة مع الهند.
وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مر الجريش بتحول اجتماعي هام في منطقة نجد؛ فبعدما كان وجبة بسيطة تعتمد على القمح والماء، أصبح طبقاً فاخراً بفضل إضافة اللبن الرائب الحامض. هذا المكون كان يساعد في تليين ألياف القمح القاسية ويعطي الطبق لونه الأبيض المعروف وقوامه الذي يميزه عن “الهريس” الذي يُضرب حتى يصبح ناعماً تماماً. ورغم انتشار الأرز في القرن العشرين لسهولة تحضيره، ظل الجريش طبقاً أساسياً في الولائم الكبرى، مما يعكس المكانة الاجتماعية والتقدير لمن يخصص الوقت والجهد لإعداده بالطريقة التقليدية.

الحنيني.. ذاكرة شتاء نجد
أما على صعيد الحلويات، فتتحول حبات التمر “الخلاص” أو “السكري” إلى عجينة سمراء تتداخل مع أقراص البر المخبوزة على الصاج، لتصنع طبق الحنيني. الحنيني ليس مجرد طعام، بل هو “تقنية بقاء” قديمة تروي قصة التكيف مع بيئة شحيحة الموارد إلا من نخلة صبورة وقمح صلب، حيث كان البدوي يحتاج إلى طاقة مكثفة لمواجهة “المربعانية” وقرص الصقيع الذي يلف رمال النفوذ.
بدأت قصة أكلة الحنيني النجدية، حيث كانت تعتمد في تكوينها البدائي على “القرص” المخبوز في الجمر والتمر المخزون. تطورت هذه الأكلة من كونها زاداً للرعاة إلى مرتبة الأطباق التي تتصدر موائد الوجهاء، وذلك مع إتقان فن “الهشم” ثم “الهرس” الذي كان قديماً يتم في “النجر” الخشبي الكبير ليمنحها القوام الليّن المتجانس.
ويكشف المسار التاريخي عن خصوصية الحنيني مقارنة بنظائره في الخليج؛ إذ تميل أطباق مثل “الممروس” و”العفوسة” إلى قوام شديد الليونة، في حين يحتفظ الحنيني ببنية قائمة على القمح (البر)، ما يمنحه طابعاً نجدياً مميزاً مستمداً من برّ القصيم وتمورها، بعيداً عن الأطباق التي تعتمد على الطحين المحمّص وحده.

في الحاضر، لم يعد الحنيني يقتصر على نجد، بل تمدد ليرسم ملامح شتاء دافئ في مختلف مناطق المملكة، مع الحفاظ على بصمات الشعوب التي احتضنته. فبينما يصر أهل نجد على تقديمه مع قطع الزبدة السائلة و”عصرة الليمون” التي تكسر حدة الحلاوة، نجد تفرعاته المعاصرة في المقاهي التي بدأت تقدمه كـ “تارت” أو قوالب عصرية، لكنه يظل محتفظاً بسره الأكبر وهو توازن “التمر والقمح” الذي لا يطغى فيه أحدهما على الآخر.
إن سرعة تحول هذا الطبق من قدور النحاس والنجر القديمة إلى الأجهزة الكهربائية الحديثة لم تفقده روحه، بل جعلته سفيراً للمطبخ السعودي في المحافل الثقافية الدولية.
وفي مطلع عام 2023، تُوّجت هذه الرحلة التاريخية بقرار رسمي من هيئة فنون الطهي، ضمن مبادرة “روايات الأطباق الوطنية”، حيث تم اختيار الجريش ليكون “الأكلة الوطنية السعودية”، والحنيني “الحلوى الوطنية السعودية”؛ في خطوة تهدف إلى توثيق هذا التراث العريق والاحتفاء به.
المحتوى تم إنتاجه بالاستعانة جزئياً بأدوات الذكاء الاصطناعي وخضع لمراجعة فريق المحررين.

