لأول مرة منذ 54 عاماً، أطلقت وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) مهمة “أرتميس 2” المأهولة لاستكشاف القمر، فاتحة أبواب المنافسة المحمومة بين الولايات المتحدة والصين سعياً إلى الهيمنة على الفضاء السحيق.

بدأ 4 رواد فضاء، هم 3 أميركيين وكندي، مهمة للدوران حول القمر لمدة 10 أيام، هي الأولى من نوعها منذ مهمة المركبة “أبولو 17”. تأتي هذه المهمة في وقت تبذل فيه الصين جهوداً استثنائية في صناعاتها الفضائية تمهيداً للنزول على سطح القمر وبناء قاعدة بشرية هناك.

“أرتميس 2” تشعل المنافسة الأميركية-الصينية على الفضاء السحيق

تُظهر مهمة “أرتميس 2” مدى حدة التنافس الفضائي بين الولايات المتحدة والصين. تسعى كلتا الدولتين إلى الريادة في استكشاف الفضاء، وتحديداً القمر، وهو ما يتجلى في برامجهم الطموحة.

الصين، من جانبها، حددت هدفاً بالهبوط على سطح القمر بحلول عام 2030 ضمن مشروع “تشانغ إي” الذي بدأت الترويج له منذ عام 2004. وقد حقق هذا البرنامج إنجازات بارزة، بما في ذلك الهبوط غير المأهول لمركبة صينية على سطح القمر عام 2013، والهبوط على الجانب المظلم منه عام 2018، واستصلاح التربة هناك عام 2024.

الصين هي الدولة الوحيدة التي نجحت في الهبوط على الجانب البعيد من القمر، النصف الذي لا يواجه الأرض، واستخراج عينات منه. وفي صيف العام الجاري، ستستكشف المهمة الروبوتية “تشانغ إي 7″، المهمة السابعة للصين، القطب الجنوبي للقمر.

قاعدة قمرية: السباق نحو الموارد

تسعى كل من الولايات المتحدة والصين إلى بناء قواعد حول القطب الجنوبي للقمر، مع آمال في استخراج موارد حيوية مثل الماء المتجمد والهيدروجين والهيليوم. كما تخطط الدولتان لتطوير مفاعلات نووية لتزويد قواعدهما القمرية بالطاقة، مما سيمكّنهما من إطلاق مهام أعمق إلى الفضاء السحيق.

يُعدّ مشروع “أرتميس 2” رحلة تجريبية أساسية تمهد الطريق لبناء قاعدة قمرية مستقبلية وهبوط رواد الفضاء عليها. شهد اليومان الأول والثاني بعد الإطلاق العمل على فحص أنظمة دعم الحياة والدفع والملاحة والاتصالات في مدار أرضي مرتفع، قبل دخول المدار القمري عبر تشغيل المحركات.

خلال اليومين الثالث والرابع، أُجريت فحوصات إضافية أثناء الرحلة إلى القمر، بما في ذلك فحص حالة بدلات الفضاء والرصد الفوري للإشارات البيومترية لرواد الفضاء لضمان سلامتهم في بيئة الفضاء السحيق. بعد ذلك، عبرت المركبة “أوريون”، التي تحمل الرواد، الجزء الخلفي من القمر لتصل إلى نقطة تبعد نحو 7400 كيلومتر عن الأرض، مسجلة بذلك أطول مسافة في تاريخ رحلات الفضاء المأهولة.

خلال الأيام من الخامس إلى الثامن، جرت اختبارات في بيئة الفضاء السحيق من خلال رحلة قريبة من القمر. ثم عادت مركبة “أوريون” إلى الأرض بسرعة تقارب 40 ألف كيلومتر في الساعة، لاختبار أداء الدرع الحرارية أثناء دخول الغلاف الجوي، قبل أن تهبط في المحيط الهادئ. وتكتسب هذه المهمة أهمية رمزية، حيث يتوقع أن تُسجَّل خلالها أرقام قياسية جديدة، مثل “أول رحلة فضائية مأهولة بالرائدات”، و”أول رحلة قمرية تقودها امرأة”، و”أول رحلة قمرية يقودها رائد فضاء غير أميركي”.

دفعت وتيرة تقدم الصين المطرد إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إلى تسريع جهود الولايات المتحدة. بعد أن كانت الخطة الأولية للهبوط على سطح القمر في عام 2024، حالت التأخيرات دون ذلك. تم تعديل الخطط لاحقًا لتشمل هبوطًا مأهولًا على سطح القمر بحلول عام 2028، وإنشاء قاعدة قمرية بحلول عام 2030.

في إشارة إلى التحديات التي يواجهها برنامج “أرتميس”، صرح مدير وكالة ناسا، جاريد إيزاكمان، مؤخرًا بأن “الخطة تتضمن مزيدًا من عمليات الإطلاق لاختبار المكونات، وتعزيز الثقة، وتقليل المخاطم”. وتخطط ناسا لإطلاق مهام كل 6 أشهر والحفاظ على وجود مستمر على القمر، مؤكدًا أن “هذه المرة، ليس الهدف هو وضع الأعلام وآثار الأقدام، بل البقاء”.

في المقابل، يخطط رواد الفضاء الصينيون للهبوط على الجانب القريب من القمر، وهو نفس الموقع الذي وثق فيه نيل أرمسترونغ “خطوة صغيرة لرجل… قفزة عملاقة للبشرية” عام 1969. تسعى الصين لتحقيق أهداف مماثلة من خلال برنامجين محتملي الاندماج: “مهام مأهولة تحت إشراف الجيش” و”مهام روبوتية مدنية”.

ما هو التالي؟ ستتواصل مراقبة تقدم كل من

شاركها.
Exit mobile version