شهدت العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تداخلاً مستمراً بين التنسيق السياسي وتباينات في إدارة ملفات الحرب، خاصة في غزة ولبنان وإيران. يعكس هذا التباين الظاهري اختلاف مقاربتي الرجلين، حيث يقدّم ترمب نفسه كـ “رجل سلام” يسعى للحلول عبر الضغط السياسي والصفقات، بينما يعتمد نتنياهو على رؤية أمنية ترى في القوة العسكرية أداة لإدارة الصراع وضمان التفوق الإسرائيلي.

رغم تسرب أخبار عن “خلافات” و”تباينات”، يؤكد مراقبون أن ما يجري في الخفاء هو توزيع للأدوار لا يعبر عن خلافات جوهرية عميقة. هذا التنوع في استراتيجيات القيادة الأمريكية والإسرائيلية يسلط الضوء على تعقيدات المشهد السياسي والأمني في المنطقة.

إنهاء الحرب على غزة

في ملف وقف الإبادة الجماعية على قطاع غزة، برزت علاقة ترمب ونتنياهو كمزيج من التنسيق السياسي والتباين الظاهر في إدارة الحرب، خاصة خلال عام 2025. منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدأت مؤشرات التباعد بين الرجلين تظهر بوضوح، متزامنة مع مفاوضات أمريكية مع حركة حماس في الدوحة.

ازدادت هذه المؤشرات في مناسبات دبلوماسية، مثل إعلان ترمب بجوار نتنياهو عن بدء مفاوضات مع طهران، الأمر الذي بدا نتنياهو مندهشاً إزاءه. ومع ذلك، فإن التطورات اللاحقة، بما في ذلك شن حرب مشتركة، أكدت أن التنسيق بين ترمب ونتنياهو كان عميقاً ومتواصلاً.

في مايو/أيار 2025، عبّر ترمب عن إحباطه من استمرار الحرب، وطلب نقل رسالة إلى نتنياهو بشأن رغبته في إنهاء القتال، متأثراً بتقارير وصور المجاعة ومعاناة المدنيين في غزة. لكن ترمب نفسه كان قد هدد بفتح باب الجحيم في غزة إن لم يُتوصَّل إلى اتفاق.

قال ترمب إن استمرار العمليات العسكرية يعرقل إعادة الإعمار ويعقّد الحل السياسي، مما دفعه للضغط باتجاه فتح المعابر وتوسيع إدخال المساعدات. في المقابل، لم يُظهر نتنياهو استعداداً لانخراط في تنازلات سريعة، مشيراً إلى أن واشنطن لا تمارس ضغطاً كافياً لدفع إسرائيل نحو اتفاق.

بلغ ما وُصف بـ “التباين” ذروته في يوليو/تموز 2025، عندما نفى نتنياهو وجود مجاعة في القطاع، وشكك ترمب في هذا النفي، مما أدى إلى تصعيد النقاش بينهما. انعكس ملف غزة على قاعدة ترمب الشعبية، وشهد انقساماً بين تيار داعم لإسرائيل وآخر تأثر بالأزمة الإنسانية ودعا لمراجعة الدعم غير المشروط لتل أبيب.

في هذا السياق، جاء اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. ورغم المفترض أنه أنهى الحرب، فإن التطورات الميدانية اللاحقة أبقت المشهد مفتوحاً على التوتر، إذ تشير بيانات وزارة الصحة في القطاع إلى استمرار سقوط ضحايا بنيران إسرائيلية.

الحرب على إيران

على مستوى آخر، شنت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت يوم 28 فبراير/شباط 2026، باتفاق بين الطرفين، ولكن المواقف العلنية بشأن بعض تفاصيل الحرب تمايزت أحياناً. كان ترمب من أكثر الداعمين لاستمرار العمليات العسكرية في بدايتها، وهو ما بدا انسجاماً مع أهداف نتنياهو.

في المقابل، ظهرت داخل الإدارة الأمريكية رؤية تفيد بأن واشنطن تميل إلى إنهاء الحرب فور تحقيق أهدافها الأساسية، في حين بدا نتنياهو أكثر استعداداً لتوسيع نطاقها. مع هذا الاختلاف المفترض، بدا الجانبان في لحظة معينة أقرب من أي وقت مضى من حيث تنسيق العمليات.

أشار مسؤولون إلى أن ترمب قد يكون أكثر ميلاً من نتنياهو إلى إنهاء العمليات بمجرد تحقيق الأهداف الأولية. ورغم إعلان ترمب عن هدنة مؤقتة يوم 8 أبريل/نيسان الماضي، فإن نتنياهو أكد أن وقف إطلاق النار مع إيران ليس نهاية الحرب بل محطة مؤقتة.

نقل محللون إسرائيليون أن نتنياهو يميل إلى استئناف الحرب إذا لم تحقق النتائج السياسية المرجوة، مما يعكس استمرار الفجوة في الرؤية بين الجانبين رغم التحالف العسكري القائم.

الحرب على لبنان

في ملف لبنان، برز خلاف أكثر بين نتنياهو وترمب، عكس اختلافاً في تقدير أولويات التصعيد وحدود إنهاء العمليات العسكرية مع حزب الله التي بدأت يوم 2 مارس/آذار الماضي. بينما كان نتنياهو يمضي في توسيع العمليات في جنوب لبنان، بدأت واشنطن تضغط بشكل مباشر باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار.

ظهر هذا الخلاف أيضاً مع إصرار نتنياهو على أن التهدئة لا تشمل حزب الله واستمرار العمليات العسكرية. مقابل ذلك، توجه أمريكي رأى أن احتواء التصعيد في لبنان شرط أساسي لمنع توسع الحرب إقليمياً.

أشارت تقارير إسرائيلية إلى أن الخلاف بين الجانبين وصل إلى مستوى اتخاذ القرار السياسي، إذ فوجئ بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية بإعلان وقف إطلاق النار يوم 17 أبريل/نيسان، واعتبره مقربون نتيجة ضغط أمريكي مباشر. رأى بعضهم أن نتنياهو اضطر للقبول بوقف إطلاق النار بعد ضغط من ترمب.

ورغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فإن استمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان عكس أن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب لم يكن بشأن مبدأ التهدئة فقط، بل توقيتها وشروطها وحدودها. تميل الإدارة الأمريكية إلى احتواء الجبهة سريعاً، في حين ترى الحكومة الإسرائيلية أن استمرار الضغط العسكري يحقق مكاسب أوسع.

تستمر التحديات في تطبيق اتفاقات وقف إطلاق النار، خاصة مع استمرار الاشتباكات المتقطعة. يبقى السؤال حول ما إذا كانت المساعي الدبلوماسية المستقبلية قادرة على بناء استقرار دائم في المنطقة، أم أن التباينات الاستراتيجية ستؤدي إلى دورات جديدة من التصعيد.

شاركها.
Exit mobile version