أصدر مجلس الشورى اللبناني، أعلى السلطات القضائية في البلاد، قرارًا يلزم الدولة اللبنانية بتعويض المسرحي والكاتب الزميل زياد عيتاني، على الضرر الذي أصابه والمظلومية التي تعرض لها بعد اعتقاله وتعذيبه عام 2018، بتهمة العمالة لإسرائيل.

ونقلت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية عن بيان لـ”المفكرة القانونية” أنّه “بعد سبع سنوات على المظلمة التي تعرّض لها الممثل المسرحيّ زياد عيتاني في قضيّة تلفيق تهمة العمالة مع العدو الإسرائيلي، أصدر مجلس شورى الدّولة، قرارًا أعلن فيه مسؤوليّة الدولة اللبنانية عن الأضرار التي لحقت به ملزمًا الحكومة بتسديد تعويض ماليّ”. 

وقال البيان إن القرار “يؤسّس ضمنًا لخارطة طريق للإصلاحات المستقبليّة”، وذلك مع الوعود التي أطلقها كل من رئيس الجمهورية جوزريف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، اللذين وعدا بدعم استقلالية القضاء، وتطهير المؤسسات الحكومية من الفساد. 

قضية زياد عيتاني

وبعد سجنه لمدة 4 أشهر تقريبًا، بداية من نوفمبر/ تشرين الثاني 2017 وحتى مارس/ آذار 2018، وسط حملة إعلامية قادتها التسريبات التي خرجت من التحقيقات الأولية معه، أعلن قاضي التحقيق العسكري في المحكمة العسكرية حينها، منع المحاكمة عن عيتاني، وإدانة كل من رئيسة مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية السابقة سوزان الحاج، ومقرصن بتلفيق التهمة للمسرحي اللبناني. 

وبعد محاكمة استمرت لسنوات، حكم القضاء العسكري، على المقرصن بالسجن سنة ونصف السنة مع الأشغال الشاقة، وإدانة المقدم الحاج بكتم المعلومات عن مرؤوسيها، وغرامة قدرها 200 ألف ليرة لبنانية، أي ما يناهز 18 دولارًا أميركيًا حينها، أو نحو دولارين فقط وفق سعر الصرف الحالي.

وفي ظل المنحى القضائي الذي اتخذته القضية، توجه عيتاني إلى مجلس شورى الدولة مطالبًا بالتعويض عن الضرر الذي لحقه به، ليحسم المجلس بقراره الأخير مسؤولية مؤسسات الدولة عما حصل، ويلزمها بالتعويض المالي لعيتاني بمبلغ قدر بـ5300 دولار أميركي. 

ورغم التعويض المالي “الزهيد”، إلا أن القرار يشكل بداية فتح ثغرة لكل مواطن لبناني يتعرض لظلم من ذوي النفوذ والسلطة في الدولة وفق ما يقول عيتاني.

وأبدى عيتاني في حديث إلى التلفزيون العربي استعداده لوضع الجهود التي بذلها لإحقاق الحق في خدمة ضحايا انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وقضيتهم التي لا تزال قيد التحقيقات القضائية. 

يذكر أن دوافع تورط المدانين بجرم تلفيق التهمة لعيتاني، تعود إلى سبتمبر/ أيلول2017، حين أُوقفت الحاج عن عملها على رأس مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، إثر قيامها بوضع إشارة إعجاب لمنشور للمخرج اللبناني شربل خليل، اعتبرت حينها عنصرية بحق السيدات السعوديات، وقام عيتاني بالإضاءة على الموضوع. 

لكن المقرصن أفاد في المحاكمات أنه تصرف من تلقاء نفسه ودون تحريض من العقيد الحاج، التي اكتفى القضاء بإدانة لم تثن رئيس الجمهورية السابق ميشال عون عن ترقيتها بعد الحادثة. 

قرار معلق

وصدر قرار فصل الحاج عن السلك الأمني، لكن عون لم يوقع القرار، فيما يطالب حقوقيون وإعلاميون الرئيس الحالي بتوقيعه، لاسيما أن التحقيقات لم تكشف عن تورط العقيد الحاج بجرم التلفيق فحسب، بل أضاءت على تحقيق لشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي عن تورط المتهمين في قرصنة مواقع حكومية ومصارف. 

واستند قرار مجلس شورى الدولة أمس على مجموعة من “الأخطاء المرفقيّة الناتجة عن امتناع الدولة عبر الإهمال والتقاعس عن القيام بموجباتها تجاه عيتاني والتي أدّت إلى تعرضّه لأعمال التعذيب، وانتهاك لقرينة البراءة”.

ووصفت “المفكرة” القرار بأنّه “خطوة هامّة في اتجاه استعادة دور الدولة في حماية المواطنين، حيث أنّ قضية عيتاني تُعدّ من أبرز الأمثلة على الخلل العميق في النظام اللبنانيّ وانهيار المهنيّة، خصوصًا في العمل القضائي والأمني والإعلامي”. 

وأشارت إلى أن “عيتاني كان تقدم بالدعوى في أغسطس/ آب 2020 بعدما فشلت الدولة في إنصافه إثر احتجازه في العام 2017 ورفضت الحكومة طلبه بالتعويض. فطعن بهذا الرفض وطالب بتعويضه عن الأضرار الجسديّة والمعنويّة التي لحقتْ به من جرّاء الخلل الجسيم في سير المرافق العامة الإدارية والقضائية والأمنية، حيث أدّت الأخطاء المرفقيّة بفعل ترابطها إلى تفاقم ضرره”.

إدانات بالجملة

وتابعت: “في حين أدلى عيتاني بمجموعة من الأخطاء المنسوبة للمرفق القضائي، اعتبر المجلس أنّه غير مختصّ للنظر في الأخطاء الناشئة عن أعمال القضاة والضابطة العدلية، على أساس أنّ التعويض عن هذه الأخطاء يدخل ضمن صلاحية القضاء العدلي”.

ولفت البيان الى أنّ “المجلس أقرّ بصلاحيّته لتحميل الدولة المسؤولية عن الأخطاء التالية وهي، امتناع الدولة عن حظر أعمال التعذيب، وعن حماية قرينة البراءة، وعن إجراء الملاحقات والتحقيقات، والتعويض عن الضرر“.

وستعقد “المفكرة القانونية” مع زياد عيتاني مؤتمرًا صحافيًا في مكاتبها يوم غد الأربعاء “للحديث عن مضمون الحكم وأبعاده والنتائج التي تترتب عليه”.

وقال عيتاني إن قرار مجلس شورى الدولة يدين بشكل واضح جهاز أمن الدولة، والمدعي العام حينها بيتر جرمانوس، والمجلس الوطني للإعلام الذي وقف صامتًا إزاء انتهاك التحقيقات الأولية معه، عبر تسريبها للإعلام على حد تعبيره. 

وختم عيتاني بالقول: “إن تهمة العمالة عرضتني وعائلتي بشكل يومي للخطر، ولم تتحرك الدولة للإقرار الكافي بأن مواطنًا مشهودًا له ولعائلته بمواقفهم وسيرتهم في وجه الاحتلال اتُهم ظلمًا وبهتانًا بأبشع تهمة ممكنة”. 

شاركها.
Exit mobile version