أنقرة تحذر من تصعيد إقليمي شامل وتؤكد رفض استهداف دول الخليج
حذرت تركيا، عبر قنواتها الدبلوماسية والأمنية، من مغبة انزلاق المواجهة الإقليمية نحو تصعيد شامل، معتبرة أن استهداف الأراضي الإيرانية يشكل خطأ استراتيجيًا. وفي الوقت ذاته، شددت أنقرة على رفضها القاطع لأي هجمات إيرانية قد تطال أمن دول الخليج واستقرارها.
جاءت هذه التحذيرات خلال مشاركة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن، في قمة الاتصال الاستراتيجي الدولية “ستراتكوم” المنعقدة بإسطنبول. وأكد المسؤولان ضرورة كبح التصعيد الميداني السريع قبل أن يتسبب في أضرار كارثية مدمرة للهيكل الأمني والاقتصادي العالمي.
أوضح فيدان أن المواجهة الحالية تتجاوز التأثيرات الجغرافية لتمتد إلى وعي المجتمعات، مما يهدد بترسيخ جروح عميقة طويلة الأمد. وأكد أن الحل الوحيد يكمن في خفض التوتر وتفعيل الدبلوماسية.
وأشار إلى تنسيق مكثف مع شركاء إقليميين لدفع المسارات السياسية التي تهدف إلى إنهاء الحرب ومنع توسعها. كما لفت إلى زياراته الأخيرة للسعودية وقطر والإمارات، حيث نقل تضامن أنقرة، بالتوازي مع موقفها الرافض للسياسات الإسرائيلية، خاصة في لبنان، ضمن تحركات إقليمية متسارعة.
أكد فيدان أن هذه الجهود تسعى للانتقال إلى مستوى أكثر فاعلية عبر حوار رفيع يهدف إلى وقف الحرب التي وصفها بأنها “بلا معنى” قبل أن تتفاقم وتلحق أضرارًا يصعب تداركها بالاقتصاد العالمي. وشدد على أهمية إبقاء قنوات الحوار مفتوحة والانخراط السريع في مفاوضات.
موقف حازم
حذر الوزير التركي من أن مواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد تعرقل هذا المسار، مشيرًا إلى أن إطالة أمد الصراع تضعف المنطقة وتدفعها نحو مزيد من الانقسام، مما يجعلها عاجزة عن الدفاع عن نفسها. واعتبر فيدان أن هذا الوضع يستدعي موقفًا حازمًا لمنع تكريسه.
في سياق متصل، اعتبر أن العالم يواجه نمطًا من السلوك يستهدف حتى العاملين في المجال الإنساني والدبلوماسي، مما يشير إلى تراجع خطير في منظومة القيم الدولية. وأشار إلى أن الصراع لا يدور في الميدان العسكري فقط، بل يمتد إلى فضاء المعلومات، حيث تُستخدم السرديات لتشويه الحقائق وتبرير الانتهاكات.
استشهد بما يجري لتشريع العدوان على قطاع غزة وتبرير الوحشية المتواصلة فيه. وأكد أن هذه السرديات لم تعد قادرة على تضليل الرأي العام العالمي كما في السابق، مدفوعة بتنامي الوعي الإنساني، خاصة بين الأجيال الجديدة. وشدد على أن التحول نحو الإعلام الرقمي وتسارع إنتاج المعلومات يفرضان تحديات جديدة، أبرزها انتشار المعلومات المضللة، مما يستدعي تطوير آليات نقدية أكثر صرامة.
دعا إلى إخماد التوترات كأولوية عاجلة، تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة التعاون الإقليمي. وحذر من أن الحسابات قصيرة المدى قد تقود إلى نتائج كارثية، مؤكدًا أن التجارب السابقة أظهرت خطورة التدخلات الخارجية.
هجوم غير مقبول
من جانبه، اعتبر رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن الهجمات على إيران خطأ، لكنه شدد في المقابل على أن استهداف دول الخليج من قبل طهران غير مقبول أيضًا.
أوضح قالن أن أنقرة أكدت خلال مشاوراتها مع دول الخليج ضرورة تبني مقاربة إقليمية شاملة تنطلق من داخل المنطقة لمعالجة الأزمة واحتواء تداعياتها. مشيرًا إلى ضرورة عدم إغفال الطرف الذي بدأ الحرب، وأن الضغط على إسرائيل يمثل عنصرًا أساسيًا لمنع تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية واسعة.
كشف عن جهود مكثفة تقودها تركيا لفتح مسار تفاوضي، بدعم من أطراف إقليمية بينها باكستان، رغم محاولات إسرائيلية متكررة لإفشال هذه الجهود. وأكد أن أنقرة ستواصل تحركاتها الدبلوماسية بشكل متواصل لإنهاء الحرب والعمل لاحقًا على بناء منظومة إقليمية قائمة على أسس أخلاقية تمنع تكرار الأزمات.
أوضح أن التطورات الأخيرة دفعت تركيا إلى تعزيز قدراتها الأمنية واستخلاص دروس استراتيجية، في ظل بيئة إقليمية معقدة وسريعة التحول. وتطرق أيضًا إلى دور المعلومات والسرديات في الصراعات الحديثة، محذرًا من فوضى معرفية تُضعف الحقيقة.
ما التالي: تواصل تركيا جهودها الدبلوماسية لحلحلة الأزمات الإقليمية. يبقى التحدي الأكبر هو مدى استجابة الأطراف المعنية لدعوات خفض التصعيد وتفعيل المسارات السلمية، وفاعلية الآليات الجديدة لمواجهة المعلومات المضللة.



