بينما يتَّسم المشهد العام في الجزائر بتصاعد في المواجهة بين الحكومة وناقلي المسافرين والبضائع، أحالت السلطة التنفيذية قانون الأحزاب الجديد إلى البرلمان، وهو نصٌّ يثير تحفظات المعارضة بسبب القيود الصارمة التي يفرضها على التشكيلات السياسية، وفي مقدمتها إمكانية حل الحزب في حال غيابه عن موعدين انتخابيين متتاليين، بما يُسقط «حق المقاطعة» كخيار سياسي.
بعد مصادقة مجلس الوزراء على مشروع القانون في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، يرتقب أن يأخذ النص مساره العادي في «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة السفلى للبرلمان) بالتعديل والمناقشة، قبل التصويت عليه.
ويُطرح «مشروع مراجعة القانون العضوي للأحزاب السياسية» (تسميته الرسمية) كآلية محورية لـ«أخلقة»، وترشيد الممارسة السياسية، مما يمثل تحولاً جوهرياً في كيفية إدارة التعددية الحزبية بالبلاد. فخلف الشعارات المعلنة لتنظيم المشهد، تبرز رغبة السلطة في تقويض التشتت الحزبي، ومعالجة الاختلالات التنظيمية؛ حسب قيادي في الحزب المعارض «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»،
غير أن هذا النص يفتح نقاشاً حول مدى التوازن بين القوانين وحرية العمل السياسي؛ حسب ملاحظين محايدين.
ومن خلال 96 مادة قانونية، ينسج المشروع شبكة إجرائية معقدة، تجعل استمرار الكيانات السياسية رهينة حزمة من الالتزامات الإدارية والمالية والانتخابية التي توصف بأنها غير مسبوقة من حيث حدَّتها وصرامتها.
ويأتي طرح هذا القانون في ظل احتقان اجتماعي متصاعد، بالتزامن مع إضراب عام يخوضه ناقلو المسافرين والبضائع منذ اليوم الأول من السنة الجديدة، رفضاً للزيادات المفروضة على أسعار الوقود، وتنديداً بقانون المرور الجديد الذي يُنظَر إليه بوصفه أداة عقابية مشددة تثقل كاهل المهنيين، بدل معالجة اختلالات القطاع.
تضييق على التعددية
يستند النص في مضمونه إلى تقليص الخريطة الحزبية، عبر وضع معايير قاسية للانتشار والتمثيل؛ ذلك أن اشتراط الحضور في نصف ولايات الوطن (عدد الولايات 69)، وتجنيد 600 مندوب في المؤتمر، وتوثيق مئات المنخرطين في كل دائرة إدارية، يهدد -وفق مراقبين- بتصفية آلية للأحزاب الناشئة، أو تلك التي تتبنى قضايا جهوية أو قطاعية محددة. وبينما تتحجج السلطة بضرورة إقصاء «الأحزاب المجهرية» التي تفتقد للقواعد الشعبية، يُنظر إلى هذا التوجه على أنه يمنح امتيازاً للتشكيلات التقليدية القائمة، ولا سيما «جبهة التحرير الوطني»، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، اللذين يدعمان بقوة سياسات رئيس البلاد.

ويحمل هذا التوجه، حسب المعارضة، مخاطر وأد الديناميكيات السياسية الجديدة، وإخفات أصوات التيارات محدودة التمثيل رغم مشروعيتها السياسية. وهذه الملاحظات سجلتها قوى المعارضة، مثل «جبهة القوى الاشتراكية»، و«حزب العمال» و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، وهي أحزاب غابت عن استحقاقات البرلمان والبلدية التي نظمت في 2021، وتعتبر نفسها معنية بالحل، بموجب القانون الجديد، في حال مقاطع موعدين انتخابيين آخرين.
وتعد المادة التي تفرض المشاركة الانتخابية تحت طائلة «الحل القضائي» بعد غيابين متتاليين، الأكثر إثارة للجدل؛ كونها تصادر «حق المقاطعة» الذي يعد تاريخياً وسيلة تعبيرية للاحتجاج على المسارات الانتخابية. ومن خلال ربط الوجود القانوني بالانخراط في صناديق الاقتراع، يعيد المشرِّع رسم حدود المعارضة المسموح بها، وفق رؤية السلطة حصراً.

ومن أبرز الأحزاب المعنية بهذه «المقصلة» حزب «جبهة العدالة والتنمية»، بقيادة الزعيم الإسلامي عبد الله جاب الله، وحزب «التجمع من أجل الديمقراطية» بقيادة عثمان معزوز. وقد اعتمد هذان الحزبان خيار «المقاطعة» على مدى العشرين سنة الماضية، معتبرين أن الانتخابات «خيطت على مقاس الأحزاب الموالية للسلطة».
حوكمة داخلية تحت الوصاية
رغم أن تحديد فترة رئاسة الحزب بعهدتين في مشروع القانون يبدو قراراً ديمقراطياً، فإن هناك «فخاً» قانونياً، يتمثل في أن أي قرار يتخذه رئيس الحزب بعد انتهاء مدته يصبح مُلغَى وكأنه لم يكن. وهذا الإجراء قد يؤدي -حسب قوى المعارضة- إلى تجميد نشاط الحزب تماماً؛ فبمجرد انتهاء العهدة، قد يواجه الحزب صراعات داخلية وقضايا في المحاكم تُبطل قراراته، مما يمنح وزارة الداخلية سلطة كبيرة للتدخل في شؤونه الخاصة، ويجعل استقلالية الأحزاب في مهب الريح.

والهدف من طرد أي منتخَب يغير حزبه هو القضاء على ظاهرة «بيع الأصوات»، أو الانتقال بين الأحزاب من أجل المصالح، لضمان احترام رغبة الناخبين الذين اختاروه بناءً على برنامج معين. ولكن هذا القرار الصارم يجعل المنتخَب «أسيراً» لحزبه؛ حسب المآخذ التي وجهت للنص القانوني. فبدلاً من أن يمثل قناعات الناس الذين صوَّتوا له، قد يصبح مجرد أداة تتبع أوامر الحزب خوفاً من فقدان منصبه، وهو ما قد يتسبب في تجميد المبادرات الفردية داخل البرلمان والمجالس المحلية.
كما يتسم الجانب المالي في المشروع بتغليب المقاربة الردعية؛ فحظر السيولة النقدية وتشديد الرقابة المالية يتماشيان ظاهرياً مع معايير مكافحة الفساد، ولكن العقوبات المقترحة؛ خصوصاً ما تعلق بالتمويل الخارجي أو تسيير الأملاك، تبدو في نظر قطاع من الملاحظين، غير متناسبة؛ إذ يخشون أن يؤدي هذا «المنحى الجزائي» إلى عزوف النخب عن العمل الحزبي، خوفاً من الملاحقات، في وقت تُساءَل فيه السلطة عن مدى شفافيتها هي أيضاً في تسيير الشأن العام.

وبشكل أوضح، يحاول القانون الجديد تنظيم الأحزاب، وتصحيح وضعها المتسم بالفوضى، في تقدير وزير الداخلية صاحب النص، ولكنه في المقابل يربط بقاء الحزب بمجرد أوراق إدارية ونتائج انتخابية؛ حسب رأي المعارضة التي تبدي خوفاً «من أن نصل إلى وجود أحزاب كثيرة بالاسم فقط، تكون مطيعة ومنظمة إدارياً؛ لكنها بلا روح أو تأثير حقيقي؛ حيث تتحول من صوت يمثل الشعب ويدافع عن مطالبه إلى مجرد مكاتب تابعة لإدارة السلطة»؛ حسبما كتبه بحسابه في الإعلام الاجتماعي، اليساري المعارض فتحي غراس، «منسق» حزب «الحركة الديمقراطية والاجتماعية» الذي حلَّته السلطات بحكم قضائي في 2023، بدعوى «ممارسة أنشطة تتعارض مع القانون».

