في خطوة تعيد رسم حدود النار داخل قطاع غزة، الذي يشهد عدوانًا إسرائيليًا، أكد رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بدء السيطرة على محور “فلادلفي الثاني” مع العمل على تقطيع أوصال القطاع وتشديد الضغط، حسب قوله.
وقبل حديث نتنياهو الجديد، أعلن وزير أمنه يسرائيل كاتس توسيع نطاق العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، حيث يتجاوز هذا الإعلان مجرد التصعيد العسكري، إذ يتحدث كاتس عن السيطرة على ما وصفه بالمساحات الواسعة وضمِّها إلى خانة المناطق الأمنية، وسط عمليات إجلاء واسعة للسكان.
واقع جغرافي جديد في غزة
ولا يوجد هناك تفاصيل بشأن حجم الأراضي المستهدفة، لكنَّ الاتجاهَ واضح: إسرائيل تتحرك لفرض واقعٍ جغرافي جديد، تحت عنوان “الضغط الأقصى” على حماس.
وتكشف تقارير أميركية وخاصة عبر موقع “أكسيوس”، ما وراء الكواليس، حيث يشير الموقع إلى استعداد إسرائيل لاحتلال 25% من قطاع غزة خلال الأسابيع المقبلة.
وتأتي هذه المعلومات وسْط صمت رسمي من واشنطن عن هذا وإعلان مستمر عن دعم إسرائيل في رسائل غير مباشرة بشأن استراتيجية واشنطن تجاه تل أبيب، فإما دعمُ هذا التوجه بصمت، أو استخدامُه كورقة ضغط في المفاوضات.
مأساة إنسانية متفاقمة
وتكرّس هذه التسريبات معادلة قائمة منذ بداية الحرب على غزة، حيث تُدار الصراعات بمزيج من التصعيد العسكري والتسريبات السياسية، في محاولة لتحييد الحلول الدبلوماسية لصالح وقائع تُفرض بالقوة. لكن يبقى السؤال: هل هذا “الضغط الأقصى” أداة ٌ إسرائيلية لحسم المعركة أم لتمديدِها؟
في المقابل، تواجه حماس تصعيدًا يُضيّق خياراتها، لكنها لا تزال تراهن على صمود طويل الأمد لإحباط المخطط الإسرائيلي.
وبينما يزداد الضغط العسكري، تتفاقم المأساةُ الإنسانية حيث آلافُ الشهداء والجرحى، ونزوحٌ جماعي، وأفرانٌ أغلقَت أبوابَها بسبب نقص الطحين.
ويعيش سكان غزة بين نار القصف الإسرائيلي وضيقِ خيارات الحياة. ليصبح السؤال مفتوحًا عن قدرة القطاع على تحمل المزيد من هذه الحرب، حيث تُدفَع غزة بالكامل نحو هاوية إنسانية، قد يكون الخروج منها أكثرَ تعقيدًا من أي حل سياسي أو عسكري مطروح.
3 محاور للسياسة الإسرائيلية في غزة
وفي هذا الإطار، يرى الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، معين الطاهر، أن السياسة الإسرائيلية في قطاع غزة تقوم على ثلاثة محاور، أولها التصعيد العسكري، حيث تحاول إسرائيل من خلاله الضغط على حماس لانتزاع تنازلات في المفاوضات.
ويوضح الطاهر، في حديث إلى التلفزيون العربي من عمّان، أن هذا هو ما تريده إسرائيل، إذ تسعى إلى إجراء المفاوضات مع حماس تحت القصف، وجنازير الدبابات، ومن خلال قتل المدنيين وتجويعهم.
ويلفت إلى أن المحور الثاني من السياسة الإسرائيلية يكمن في إعادة احتلال مناطق أخرى في قطاع غزة وضمها إلى ما تدّعيه بـ”الحزام الأمني”، مشيرًا إلى أن العملية العسكرية المستمرة الآن تهدف إلى فصل جنوب القطاع عن وسطه، حيث دفعت إسرائيل بالفرقة 36 التابعة لجيشها للسيطرة على منطقة “موراج” (تل السلطان) لفصل مدينة رفح عن خانيونس.
ويبين أن المحور الثالث للسياسة الإسرائيلية هو “تهجير السكان من المناطق التي يتم ضمها إلى الحزام الأمني”، حيث تعمل على التضييق عليهم تدريجيًا لتنفيذ مخطط التهجير ضد الفلسطينيين.
الاتجاه نحو السيطرة الكاملة على القطاع
من جانبه، يوضح الباحث في الشأن الإسرائيلي، جاكي خوري، في حديث إلى التلفزيون العربي من حيفا، أن نتنياهو كان يتحدث إلى قاعدته الشعبية وغالبية الجمهور الإسرائيلي الذي يضع أولوية إعادة الرهائن والمخطوفين، وليس إنهاء الحرب الذي يتطلع إليه الكثيرون.
وذكّر خوري بحديث نتنياهو يوم الأحد الماضي أمام مجلس وزراء حكومته، حيث حدد خلاله شروط إنهاء الحرب على غزة، وهي “نزع سلاح حركة حماس، وإخراج قادتها من قطاع غزة، والسيطرة الأمنية الكاملة على القطاع، والتمهيد لعملية التهجير وفقًا للخطة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب”.
مأساة غزة تتواصل والقصف لا يتوقف على القطاع – غيتي
ويشير إلى أن حديث نتنياهو الجديد بشأن السيطرة على منطقة “فلادلفي 2” له علاقة بمسألة تبادل الأسرى مع حركة حماس وعدم الوصول إلى مطلب إعادة الانتشار والانسحاب.
ويرى أن نتنياهو يريد من وراء حديثه عن السيطرة على مناطق جديدة في قطاع غزة الضغط على حماس والتنصل من مسألة الانسحاب من محور صلاح الدين الذي احتلته إسرائيل خلال الحرب، على الرغم من التوقيع عليه ضمن اتفاق وقف إطلاق النار.
ويلفت إلى أنه في حال تطبيق نتنياهو لأهداف الحرب التي حددها في اجتماع حكومته السابق، “فإن الوضع سيذهب إلى احتلال كامل لقطاع غزة، وربما لحكم عسكري للقطاع”، حسب رأيه.
“خيارات قد تكون صعبة”
من ناحيته، يعتبر الكاتب والباحث السياسي، إياد القرا، أن “الخيارات قد تكون صعبة وضيقة جدًا” أمام حماس وسكان القطاع بعد أكثر من عام من الإبادة والتشريد والنزوح.
ويقول القرا في حديث إلى التلفزيون العربي، من خانيونس، إن “هناك ثلاث قضايا يمكن التعامل معها بالوقائع، حيث يعد ملف الأسرى الأقوى والأكثر قوة من بين هذه الملفات التي يمكن من خلالها المناورة، لا سيما مع وجود أكثر من 59 جنديًا وضابطًا إسرائيليًا لدى المقاومة”.
ويضيف أن القضية الثانية تكمن في “المقاومة في الميدان، حيث صمدت هذه المقاومة أمام الاحتلال خلال عام ونصف من الحرب، بإقرار إسرائيلي، وذلك بعد إعادة التدريب وتأهيل نفسها خلال الفترة الماضية”.
ويشير إلى أن المسألة الثالثة والمهمة هي في “الصمود الشعبي على الرغم من ضخامة الخسائر البشرية والمادية” التي تعرض لها الشعب الفلسطيني طوال فترة الحرب، مشيرًا إلى منع دخول البضائع والمواد الغذائية والضرورية للحياة إلى القطاع.
ويخلص القرا إلى أن المراهنة كذلك على “فشل” إسرائيل في تحقيق أهدافها من الحرب على قطاع غزة على الرغم من المجازر الإسرائيلية الواسعة بحق الشعب الفلسطيني.