«ديبوت – انعكاس بوييمانز» يفتح أبواب عالم الفن السري في روتردام

يقدم فيلم “ديبوت – انعكاس بوييمانز” (DEPOT – Reflecting Boijmans) للمخرجة الهولندية سونيا هيرمان دولز نافذة فريدة على أضخم المخازن الفنية المفتوحة للجمهور في العالم، الواقعة في مدينة روتردام. يتجاوز الفيلم الطابع التقليدي للأفلام الوثائقية المعمارية ليقدم رحلة حية وممتعة في قلب هذا الصرح الفني الاستثنائي، داعياً المشاهدين لإعادة التفكير في العلاقة بين الفن والجمهور.

يستعرض الفيلم مراحل بناء وتجهيز “ديبوت – انعكاس بوييمانز”، وهو مستودع فني طموح يهدف إلى كشف الستار عن الحياة السرية للأعمال الفنية. من خلال لقطات مقربة، يتابع الفيلم رحلة اللوحات والمنحوتات بعناية فائقة، بدءاً من نقلها وصيانتها وصولاً إلى تجهيزها للعرض، مسلطاً الضوء على الاهتمام العميق الذي تتطلبه هذه الأعمال لتخليدها عبر الزمن.

تتميز المقاربة السينمائية لدولز ببراعتها في منح هذا العالم طاقته الداخلية وحيويته. فبدلاً من التركيز على التفاصيل الهندسية فقط، تتحول المادة إلى تجربة حسية غنية بالتدفق، الملمس، والإيقاع. تتجول الكاميرا في طبقات المبنى، مستكشفةً تفاصيله المعمارية كأنها تكشف عن جسد جديد للفن، مع إبراز دور الأيدي البشرية التي تتعامل مع الأعمال الفنية كوديعة ثمينة من الزمن.

يتساءل الفيلم الوثائقي عن جوهر حفظ الأعمال الفنية وأهمية العلاقة الحسّاسة بين العناية الفنية واستمرارية هذه الأعمال على مر العصور. يقترح “ديبوت” مقاربة تعتمد على التوازن بين الوقاية والانفتاح، حيث تحتاج اللوحة إلى ظروف بيئية مثالية، ولكنها تحتاج أيضاً إلى عين تراها. العمل الفني الذي ينجو من التلف ولكنه يموت في العتمة يفقد جزءاً من رسالته.

يمنح الفيلم مساحة مهمة للمهندس الهولندي ويني ماس، ومدير المتحف سيارل إكس، اللذين يقفان وراء هذه الرؤية الطموحة لإعادة تعريف وظيفة المتحف. من خلال متابعة الحوارات والاجتماعات، يلتقط الفيلم التحدي المتمثل في بناء مساحة تستوعب أكثر من 150 ألف عمل فني مع الحفاظ على شروط الحفظ الصارمة، وفي الوقت نفسه، السماح للجمهور بالاقتراب من هذا العالم المدهش.

من خلال تتبع مسار اللوحة من المستودع إلى العرض، يفسح الفيلم مجالاً لاستكشاف العالم الداخلي للمتحف. قبل وصول أي لوحة إلى جدار العرض، تمر برحلة كاملة تتضمن القرار، التصنيف، التغليف، النقل، الفحص، الترميم، الإضاءة، والتعليق. هذا العمل الدؤوب يثبت أن الجمال لا يتجسد فقط في لحظة العرض، بل هو نتاج تراكم للجهود الصبورة.

تضيف الواجهة الخارجية للمبنى، المغطاة بالمرايا، بعداً فلسفياً إضافياً. المبنى يعكس المدينة، الأشجار، السماء، وحركة الناس، مما يوحي بأن الفن لا ينفصل عن محيطه. بدلاً من أن يفرض حضوره بكتلة مغلقة، يذوب المخزن الضخم في صور المدينة، ويردها إليها. تصبح المرايا محاكاة لعلاقة جديدة بين المتحف والفضاء العام، حيث ترى المدينة نفسها على سطح المكان الذي يحفظ ذاكرتها الفنية.

تنجح هيرمان دولز في جعل العمارة رواية، والرواية سؤالاً عن الحضارة. تظهر قيمة المدن ليس فقط في ارتفاع أبراجها أو سرعة طرقاتها، بل في المكانة التي تمنحها للفن. بناء مخزن بهذا الحجم والشفافية في روتردام يؤكد أن الذاكرة ليست مجرد بقايا من الماضي، وأن الجمال يحتاج إلى مؤسسات تحرسه.

يُعد فيلم “ديبوت – انعكاس بوييمانز” توثيقاً لولادة مساحة فنية استثنائية، يلامس هيبة الدخول إلى مكان تختزن جدرانه ذاكرة آلاف الأعمال العظيمة. كل زاوية في المبنى توحي بالوقوف أمام تاريخ كامل من الأفكار والأزمنة التي تم إنقاذها من التلاشي. الفيلم يمنح تفاصيل الحفظ والتخزين حضوراً إنسانياً وبصرياً آسراً، محولاً المتحف إلى مساحة تلتقي فيها العصور والذاكرة والفن. روتردام تتباهى بفتح قلبها الفني للناس، وجعل ما كان خلف الأبواب المغلقة جزءاً من التجربة العامة، مؤكداً أن الفن يعيش أكثر حين يجد من يصونه ويرى.

ما بعد السرد: يستمر الفيلم في تقديم رؤية جديدة حول كيفية تفاعل الجمهور مع الأعمال الفنية المحفوظة، مما قد يلهم متاحف أخرى لتبني نماذج مشابهة. يبقى التحدي مستمراً في ضمان استدامة هذا الانفتاح مع الحفاظ على أعلى معايير صون الأعمال الفنية.

شاركها.
Exit mobile version