سارعت المملكة العربية السعودية في عام 2025 إلى ترسيخ مكانتها كقوة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، من خلال ضخ استثمارات ضخمة دفعت عجلة التحول الرقمي والتوسع في التطبيقات العملية عبر مختلف القطاعات الحيوية. يعكس هذا التوجه الجهود المتواصلة لدعم مستهدفات “رؤية 2030″، الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز القدرة التنافسية للمملكة على الساحة العالمية.
وفي هذا السياق، أكد رئيس شركة “مايكروسوفت السعودية”، تركي باضريس، أن المملكة تشهد تسارعاً غير مسبوق في توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة استراتيجية لرفع التنافسية وتحسين كفاءة الأداء في القطاعات الحيوية، مشيراً إلى أن التقنيات الحديثة باتت عنصراً محورياً في مسار التحول الوطني.
الذكاء الاصطناعي محرك للتحول الوطني
أوضح باضريس أن السعودية تخوض تجربة تحول شاملة تمتد لتشمل تحديث الحكومة الرقمية، وبناء مدن ومشروعات عملاقة، وتطوير القطاع الصناعي، وإيجاد قطاعات اقتصادية جديدة. وبين أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُمثل الرابط الأساسي الذي يربط هذه التحولات من خلال تمكين بنية تحتية أكثر ذكاءً وتقديم خدمات عامة تتسم بكفاءة أعلى.
وأضاف أن عام 2025 شهد تعاوناً موسعاً بين “مايكروسوفت” وعدد من الجهات الحكومية والتنظيمية والشركات الكبرى في المملكة، بهدف تسريع اعتماد حلول الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في مجالات التعليم، والصناعة، والقطاع المالي، والخدمات الحكومية.
التطبيق الشامل للذكاء الاصطناعي في 2025
أشار باضريس إلى أن عام 2025 شكّل نقطة تحول هامة في مسار الذكاء الاصطناعي بالمملكة، حيث اتجهت التطبيقات إلى الانتشار الواسع والتأثير الملموس على مستوى القطاعات المختلفة. ومن بين المبادرات البارزة التي شهدها العام:
الحكومة الرقمية: تم تنفيذ برامج تدريب متخصصة بالتعاون مع هيئة الحكومة الرقمية، استهدفت تأهيل أكثر من 100 ألف موظف حكومي بمهارات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بهدف تحسين كفاءة الخدمات الحكومية وتعزيز تجربة المستفيدين.
التعليم: شهد هذا القطاع توسعاً في مبادرات محو أمية الذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع وزارتي التعليم والاتصالات وتقنية المعلومات. كما تم إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وتقنيات التعليم الرقمي في المدارس، لرفع جودة المخرجات التعليمية.
القطاع الصناعي: اعتمدت العديد من الجهات الصناعية حلول الذكاء الاصطناعي لتحديث عمليات التصنيع. وتشمل هذه الحلول الصيانة التنبؤية وتحليل البيانات التشغيلية في الوقت الفعلي، مما ساهم في تقليص الأعطال ورفع كفاءة الإنتاج وموثوقية التشغيل.
الطاقة والاستدامة: تم توظيف حلول الذكاء الاصطناعي لتحسين إدارة أصول المياه والطاقة. وشمل ذلك تطبيقات الصيانة التنبؤية والتحكم الذكي في العمليات، مما أسفر عن تحقيق وفورات تشغيلية كبيرة ودعم مستهدفات الاستدامة وخفض الانبعاثات.
بنية تحتية سحابية سيادية
من جانب آخر، أكد باضريس أن إطلاق منطقة “مايكروسوفت” السحابية في المملكة، والمقرر في عام 2026، سيمثل نقلة نوعية في تمكين الجهات الحكومية والقطاعات المنظمة من تشغيل الأحمال التشغيلية الحرجة داخل بيئة محلية آمنة. ويضمن هذا المشروع السيادة على البيانات مع دعم الابتكار الذي يتسم بزمن استجابة منخفض.
وأشار إلى أن الأطر التنظيمية التي طورتها الجهات المختصة في المملكة، أسهمت في تعزيز الثقة باستخدام الذكاء الاصطناعي، من خلال تحقيق توازن دقيق بين حماية الأفراد وتشجيع الاستثمار والابتكار في هذا المجال.
توقعات 2026: الذكاء الاصطناعي كـ”شريك عمل”
توقّع باضريس أن يشهد عام 2026 تحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أدوات مساندة إلى “شركاء عمل” قادرين على التعاون والمبادرة في إنجاز المهام المعقدة. ومن المتوقع أن تنعكس هذه المرحلة على الخدمات الحكومية، والقطاع الصناعي، والمشروعات العملاقة مثل القدية والبحر الأحمر، إضافة إلى القطاع الصحي.
وأشار إلى أن اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة سيُسهم في تحسين كفاءة العمليات، ورفع الإنتاجية، وتعزيز جودة الخدمات. وستشهد المملكة الانتقال من نماذج رقابية تفاعلية إلى أطر حوكمة استباقية تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول للتقنيات الحديثة.
ريادة سعودية تتجاوز التبني
اختتم باضريس التأكيد على أن السعودية لا تكتفي بتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل تُسهم بفعالية في رسم ملامح مستقبل هذا المجال. ويأتي ذلك من خلال الاستثمار في البنية التحتية السيادية، وبناء القدرات الوطنية، وترسيخ مبادئ الاستخدام المسؤول. وكل ذلك يُعزز النمو الاقتصادي المستدام ويرسخ مكانة المملكة بصفتها قوة تقنية عالمية.
من المتوقع أن يشهد عام 2026 إطلاق المنطقة السحابية لـ”مايكروسوفت” بالمملكة، والذي يعد خطوة حاسمة لتعزيز السيادة على البيانات ودفع عجلة الابتكار. ومع استمرار جهود التدريب وبناء القدرات، تبقى قدرة القطاعات المختلفة على التكيف مع التغيرات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاستجابة للتحديات التنظيمية والأخلاقية، من العوامل الرئيسية لضمان تحقيق أقصى استفادة من هذه التقنيات.

