تواجه المملكة الأردنية حالة من الجدل المتزايد، حيث تتصادم قرارات حكومية استباقية مع ضغوط متزايدة من جماعة الإخوان المسلمين، وذلك في ظل استمرار الحرب الإيرانية وتداعياتها الأمنية والاقتصادية على المنطقة. وقد انتبهت الحكومة متأخرة لأهمية تطمين المواطنين بشأن المخزونات الاستراتيجية، بينما تتزايد المخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر المواد الأساسية.
الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»
في خضم التحديات المتوقعة جراء الحرب الإيرانية، أدركت الحكومة الأردنية الحاجة الماسة لتوضيح الصورة للمواطنين حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والدواء والطاقة، والتصدي للاستهلاك المفرط والتخزين غير المبرر. ورغم محاولات الحكومة بث رسائل طمأنة منذ الأيام الأولى للحرب، فقد اضطرت إلى تعديل خطابها، معلنةً عن إجراءات تقشفية وبرامج لضبط الإنفاق الحكومي، سعياً منها لتعزيز الشعور العام بحجم التحديات الاقتصادية المقبلة.
هذه الإعلانات الحكومية أثارت نقاشات سياسية حول إمكانية إعلان حالة الطوارئ، مما يمنح الحكومة صلاحيات أوسع لإصدار أوامر دفاعية لتنفيذ قراراتها الاقتصادية الصعبة، وربما لتجاوز أي ردود فعل سلبية محتملة من المواطنين تجاه بعض تصريحات المسؤولين.
أدى الارتباك المصاحب لهذه الإعلانات إلى اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس – بحسب مراقبين – انخفاض مستوى الثقة في الرواية الرسمية. ويُعتقد أن الفريق الاقتصادي في الحكومة أخفق في تصميم خطة استجابة تتناسب مع حجم القلق العام وتطورات الأزمة. فالأردنيون، رغم عدم خوفهم من المخاطر المباشرة لسقوط الشظايا، يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر السلع، ومن قفزات الأسعار المفاجئة في ظل غياب رقابة فعالة.
تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة
لا يتوقع المسؤولون الأردنيون توقف الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بل يترقبون تصعيداً في العمليات العسكرية والقصف المتبادل خلال الأيام القادمة. وتشير التقديرات إلى أن إيران قد تتجه لزيادة الضغط على دول الخليج والأردن كأوراق تفاوضية لتخفيف الشروط المفروضة عليها.
وقد تهدد طبيعة الاستهداف المتوقعة حياة المدنيين، خاصة مع محدودية القدرات الدفاعية الأردنية للتصدي لزيادة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة. وتدرك عمان الطبيعة الانتقامية للتهديدات الإيرانية، التي قد تسعى لتحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية رغم أنها قد لا تكون الأولوية القصوى في خطط استهدافها الحالي.
عمليات إرهابية محتملة
تتمثل المخاوف الأمنية الرئيسية في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». ونتيجة لذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق والشمالية مع سوريا، لمنع محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.
وقد نفذ سلاح الجو الأردني مؤخراً غارات في جنوب سوريا استهدفت مجموعات كانت تحضر لإدخال متفجرات إلى الأردن عبر متسللين محسوبين على الميليشيات الإيرانية، مستغلين حالة عدم الاستقرار على الحدود. وأكدت مصادر مطلعة أن جهوداً استخباراتية متقدمة أحبطت مخططات انتقامية وتخريبية.
كما تتوفر معلومات مؤكدة عن نشاط مسلح لميليشيات عراقية شيعية في مناطق على الحدود العراقية الأردنية، تتزود بصواريخ ومسيرات إيرانية متطورة. وقد تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات هذه الميليشيات التي تصر على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية. تسعى القوات المسلحة الأردنية، بالاعتماد على معلومات استخبارية، لإفشال أي مخططات إرهابية، مع الأخذ في الاعتبار تحرك عناصر ميليشيات تابعة للنظام الإيراني بذريعة محاربة إسرائيل.
دور سلاح الجو
نجحت طائرات سلاح الجو الأردني، بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية، في إسقاط جميع الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد، على الرغم من تضرر بعض الرادارات. وباقي شظايا الأجسام المتفجرة، لم تتمكن الصواريخ أو المسيرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.
تقديرات أردنية
تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى استمرار الحرب، وأن أهداف إيران تظل القتل والدمار، مع سياسة “الغريق لا يخشى البلل” التي قد تزيد من حدة استهدافاتها. ويعتبر استمرار الحرب نتيجة حتمية لـ”عسكرة” الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، ورغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب لتحقيق أهداف سياسية.
بدوره، جاء دخول حزب الله اللبناني على جبهة الحرب بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل ضد قيادات الحزب، مما تسبب في اختلالات داخلية وارتباك في قراراته. فيما قللت مصادر أردنية من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد، معتبرة أن دخولهم قد لا يحدث أثراً عسكرياً فارقاً.
في المقابل، تفيد تقديرات شخصيات سياسية أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهد لدخول عسكري أميركي في اليمن. وهناك تساؤلات حول مدى الثبات على موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مما يفتح الباب للتكهنات حول رسائل ثلاثية التأثير لإسرائيل وإيران ودول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول. ويظل الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي أحبطت مخططات إرهابية، لكن استمرار الحرب يحمل مخاطر غير مضمونة.
الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل
داخلياً، لا تزال جماعة الإخوان المسلمين، عبر حزب جبهة العمل الإسلامي، فاعلة في المشهد السياسي، حيث يمتلك الحزب 31 مقعداً في البرلمان الأردني. وعلى الرغم من التزامه بالمرونة القانونية، يمارس الحزب ضغوطاً على الحكومة للمطالبة بإدانة الولايات المتحدة وإسرائيل لاستخدام الأجواء الأردنية في عدوانهما على إيران.
في المقابل، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يعكسه تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» صالح العرموطي. وقد دفعت هذه المواقف الجهات الرسمية إلى التركيز على إحصاء الصواريخ والمسيرات التي يتم إسقاطها.
يعتبر العرموطي، الذي حضي بشعبية واسعة، شخصية مؤثرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يشن هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، متجاهلاً دقة تصريحاته.
ديناميكيات التعامل الإعلامي
في هذا المشهد، يرى مراقبون أن رئيس الحكومة يفضل التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية» في البرلمان، دون التعمق في تحالفات تضمن له دعم أغلبية مريحة. ورغم تركيز رئيس الوزراء جعفر حسان على المستوى التنفيذي، إلا أنه يبتعد عن المواجهات الإعلامية، مفضلاً فترة ولاية هادئة.
فيما يختزل المشهد السياسي الخارجي بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي، الذي نجح في تقديم رواية متصلة وحظيت بقبول شعبي. إلا أن غياب التصريحات السياسية الواضحة من وزراء آخرين يعمق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي، الذي يرفض العدوان الإيراني ولا يسمح بانتهاك السيادة الأردنية.
الموقف الرسمي… غير مفهوم شارعياً
يعتبر غياب الحياة السياسية في الأردن فراغاً واسعاً، حيث يرى البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية» تمنع بعض النخب من نيل الرعاية الرسمية. في المقابل، يرى آخرون الحاجة إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الفهم»، خاصة في ظل ظروف إقصاء الرأي الآخر والتضييق على الحريات الصحافية.
تُظهر مداخلات العرموطي النيابية، الذي سبق أن دافع عن صدام حسين، شعبية جارفة رغم محدودية معلوماته، حيث يلعب على وتر الكراهية تجاه تل أبيب وواشنطن. وتبدو الحالة الأردنية كأنها على وشك الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي، مع محاولات لضرب العلاقة الأردنية-الفلسطينية، وهو ما يستدعي مزيداً من الحشد والوحدة الوطنية.
في خضم هذه التطورات، يظل مستقبل العلاقات الإقليمية والداخلية للأردن مرهوناً بقدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين التحديات الأمنية والاقتصادية، وإدارة الضغوط الداخلية والخارجية، مع الحاجة الملحة لتعزيز الثقة بين القيادة والشعب.


